وتستمر هذه القضية، فها هم بنو إسرائيل ينكرون على داود عليه السلام استخلافه سليمان لصغر سنه (1) .
ولا يكاد يخلو عصر من العصور من اعتقاد الناس بعامل السن هذا، ففي عصر الرسول صلى الله عليه وسلم يروي القوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس: قم من مكان علي؟ فقال: تقيم الشيخ وتجلس الغلام، فأعادها عليه ثلاث مرات، فقام العباس فنهض مغضبًا، وجلس عليٌّ مكانه، فقال رسول الله: يا عباس، يا عم رسول الله، لا أخرج من الدنيا وأنا ساخط عليك فيدخلك سخطي عليك النار، فرجع فجلس (2) ، مما يوحي إليك بتقديم اعتبار السن حتى لو أدَّى ذلك إلى سخط رسول الله صلى الله عليه وسلم حسب ما يعتقدون.
وها هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قصة الكهف يرى ما تقدم، ففي روايات أوردها القوم في كتبهم من أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا رضي الله عنهم إلى أهل الكهف -في قصة طويلة- فيها أن علي بن أبي طالب قال لأبي بكر رضي الله عنهما: يا أبا بكر، سلِّم فإنك أسننا، وكذلك قوله لعمر.
وفي رواية: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: وتقدم أنت يا أبا بكر فإنك أسن القوم، ثم عمر، ثم عثمان (3) .
وكان علي رضي الله عنه يحتج ويعتذر بهذا، حتى يوم أن أرسله النبي صلى الله عليه وسلم بسورة براءة، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك خطيب وأنا حديث السن، فقال: لابد أن تذهب بها أو أذهب بها، قال: أما إذا كان كذلك فأنا أذهب يا رسول الله، قال: اذهب فسوف يثبت الله لسانك، ويهدي قلبك (4) .
كل هذا في تبليغ سورة إلى مكة لا قرآن إلى أمة.
(1) الكافي: (1/383) ، كمال الدين: (156) ، البحار: (14/67، 81) .
(2) أمالي الطوسي: (584) ، البحار: (22/499) .
(3) البحار: (39/137) (14/420) ، إثبات الهداة: (2/130) .
(4) البحار: (35/303) .