فتدبر في الروايات السابقة وقارن بينها وبين ما يدعيه القوم من النص، وانظر هل يمكن التوفيق بينها، وهل يستقيم خفاء تلك النصوص على المقربين؟ وهل يستقيم القول باللطف ووجوب معرفة إمام الزمان مع تعسر معرفته إلا بسؤال أو تنبيه من إمام؟ فما مصير صلاة وصيام وزكاة وحج وسائر أعمالِ مَن جهل بهم حتى يسأل أو يعلم؟
ولا شك أنهم لم يسألوا عن شهر الصيام أو الحج أو نصاب الزكاة وعدد ركعات العصر، ولعلَّ ما يخرجك من الحيرة أو يزيدها مزيد من روايات القوم.
عن عبد الأعلى مولى آل سام، عن الصادق، قال: إن أبي استودعني ما هناك، فلمَّا حضرته الوفاة قال: ادع لي شهودًا، فدعوت أربعة من قريش، فيهم: نافع مولى عبد الله بن عمر، فقال: اكتب: هذا ما أوصى به يعقوب بنيه: (( يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) [البقرة:132] ، وأوصى محمد بن علي إلى جعفر بن محمد، وأمره أن يكفنه في برده الذي كان يصلي فيه يوم الجمعة، وأن يعممه بعمامته، وأن يرفع قبره، ويرفعه أربع أصابع، وأن يحل عنه أطماره عند دفنه، ثم قال للشهود: انصرفوا رحمكم الله، فقلت له: يا أبت، ما كان في هذا أن يشهد عليه، فقال: يا بني، كرهت أن تغلب، وأن يقال: لم يوصِ إليه، وأردت أن تكون لك الحجة (1) .
أقول: لم أقف على علة الوصية هذه والتي فيها أمور لم يأخذ بها القوم حتى يومنا هذا، ولا الإشهاد عليها، ألم يعلم الناس وهؤلاء الأربعة من قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نصَّ على الصادق بعد أبيه، حتى اضطر الباقر إلى ذلك خشية أن يغلب أو يقال: لم يوصِ إليه وتكون الحجة له؟ وإن لم تكن حجة الله ورسوله مجزئة فماذا تكون حجة الباقر؟ ثم اسأل نفسك ما هي هذه الحجة التي كانت للباقر أصلًا وأرادها لابنه؟
(1) الإرشاد: (289) ، الكافي: (1/307) ، إعلام الورى: (268) ، البحار: (47/13) ، إثبات الهداة: (3/72) .