قال: فضحك المستعدى عليه من الملائكة [وكانا ملكين] ، وقال: حكم الرجل على نفسه، فقال داود: أتضحك وقد عصيت؟ لقد هممت أن أهشم فاك، قال: فعرجا، وقال المستعدى عليه: لو علم داود أنه أحق بهشم فيه مني، ففهم داود وذكر القضية فبقي أربعين يومًا ساجدًا يبكي ليله ونهاره، ولا يقوم إلا وقت الصلاة حتى انخرق جبينه وسال الدم من عينه، فأوحى الله عز وجل إليه: تب يا داود، فقال: أي رب، وأنى لي بالتوبة؟ قال: صر إلى قبر أوريا حتى أبعثه إليك واسأله أن يغفر لك فإن غفر لك غفرت لك، قال: يا رب، فإن لم يفعل؟
قال: أستوهبك منه، فخرج إليه، فمر بجبل عليه نبي عابد يقال له: حزقيل، فقال: هذا النبي الخاطئ، فقال داود: يا حزقيل، أتأذن لي أن أصعد إليك؟
قال: لا، فإنك مذنب، فبكى داود عليه السلام، فأوحى الله عز وجل إلى حزقيل: يا حزقيل، لا تُعَيِّر داود بخطيئته، وسلني العافية، ثم مضى داود حتى أتى قبر أوريا فناداه فلم يجبه، ثم ناداه ثانية فلم يجبه، ثم ناداه ثالثة، فقال أوريا: مالك يا نبي الله، لقد شغلتني عن سروري وقرة عيني. قال: يا أوريا، اغفر لي وهب لي خطيئتي، فأوحى الله عز وجل: يا داود، بين له ما كان منك، فناداه داود فأجابه في الثالثة، فقال: يا أوريا، فعلت كذا وكذا، قال أوريا: أيفعل الأنبياء مثل هذا؟ فناداه فلم يجبه، فوقع داود عليه السلام على الأرض باكيًا، فأوحى الله عز وجل إلى صاحب الفردوس ليكشف عنه، فكشف عنه، فقال أوريا: لمن هذا؟ فقال: لمن غفر لداود خطيئته، فقال: يا رب، قد وهبت له خطيئته (1) .
(1) تفسير القمي: (2/203) ، البحار: (14/20) ، نور الثقلين: (4/447) ، البرهان: (4/43) .