وكذا اختلاف أصحابه عليه بعد رفع المصاحف في صفين، فمن قائل بالقتال، ومن قائل بالمحاكمة إلى الكتاب، حتى قال رضي الله عنه: إنها كلمة حق يراد بها باطل، إنهم ما رفعوها وإنهم يعرفونها ولا يعملون بها ولكن الخديعة والوهن والمكيدة، أعيروني سواعدكم وجماجمكم ساعة واحدة، فقد بلغ الحق مقطعه ولم يبق إلا أن يقطع دابر الظالمين، فجاءه من أصحابه زهاء عشرين ألفًا مقنعين في الحديد شاكي السلاح، سيوفهم على عواتقهم، وقد اسودت جباههم من السجود، يتقدمهم مسعر بن فدكي وزيد بن حصين، وعصابة من القراء الذين صاروا خوارج من بعد، فنادوه باسمه لا بإمرة المؤمنين، قالوا: يا علي، أجب القوم إلى كتاب الله إذا دعيت إليه وإلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان، فوالله لنفعلنها إن لم تجب، فحاول إقناعهم فأبوا، وقالوا: فابعث إلى الأشتر ليأتيك (1) .
وكان رضي الله عنه يقول في ذلك: فمالت إلى المصاحف قلوب من بقي من أصحابي، فظنوا أن ابن آكلة الأكباد له الوفاء بما دعا إليه، وأصغوا إلى دعوته وأقبلوا بأجمعهم في إجابته، فأعلمتهم أن ذلك منه مكر ومن ابن العاص معه، وأنهما إلى النكث أقرب منهما إلى الوفاء، فلم يقبلوا ولم يطيعوا أمري وأبو إلا إجابته، كرهت أم هويت، شئت أم أبيت، حتى أخذ بعضهم يقول: إن لم يفعل فألحقوه بابن عفان أو ادفعوه إلى ابن هند برمته (2) .
حتى مالك بن الأشتر وهو من أعاظم أصحابه والذي سألوه أن يبعث إليه ليأتيه، لم يكن يختلف عنهم في عدم القول بعصمة علي رضي الله عنه، أو أنه لا يفتقر إلى آرائهم؛ بل كان يرى جواز مخالفته شأنه في ذلك شأن سائر الناس، وإليك بعضًا مما يدل على ذلك:
(1) البحار: (32/312، 530) (33/534) .
(2) البحار: (33/319) (38/181) ، الخصال: (380) .