هل كان يرى مخالفة الله الذي اختاره من دون الناس من فوق سبع سموات، هل كان يرى مخالفته جائزة، وطاعة البشر واجبة؟!
هل علم هذا عندما قال: وبسطتم يدي فكففتها، ومددتموها فقبضتها، ثم تداككتم علي تداكك الإبل الهيم على حياضها يوم وردها، حتى انقطعت النعل، وسقط الرداء، ووطيء الضعيف.. إلى آخر ماقاله رضي الله عنه واصفًا بيعته بالخلافة (1) ؟!
هل علم هذا وهو يقول: إني لم أرد الناس حتى أرادوني، ولم أبايعهم حتى أكرهوني (2) .
وقال: فلما رأيت ذلك منكم رويت في أمري وأمركم، وقلت: إن أنا لم أجبهم إلى القيام بأمرهم لم يصيبوا أحدًا يقوم فيهم مقامي ويعدل فيهم عدلي (3) ؟!
هل وهل.. وهو لا يزال يردد ويقول بكراهته لأمر لولاه لما خلق الله شيئًا، حتى قال لابن عباس رضي الله عنه وقد رآه يخصف نعله: ما قيمة هذه النعل؟ فقال: لا قيمة لها، فقال: والله لهي أحب إلي من إمرتكم (4) .
إقرار الأمير رضي الله عنه بمبدأ الشورى:
أبدًا لم يكن رضي الله عنه يرى أن مشروعية خلافته مستمدة من تلك النصوص التي زعمها القوم له، وقد علمت حالها جميعًا، وأنه لو كان من ذلك شيء حق لقاتل عليها حتى لو تظاهرت العرب كلها عليه، بل كان يرى أن شرعية خلافته إنما هي مستمدة من مبدأ الشورى الذي أقره القرآن وأكده الرسول صلى الله عليه وسلم بهديه وسنته.
كيف لا وهو القائل رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من جاءكم يريد أن يفرق الجماعة، ويغصب الأمة أمرها، ويتولى من غير مشورة فاقتلوه، فإن الله عز وجل قد أذن ذلك (5) .
(1) نهج البلاغة: (430) ، البحار: (32/51) ، وانظرأيضًا: البحار: (32/34، 78، 98) (33/569) = = المناقب: (2/375) ، الإرشاد: (130) ، الاحتجاج: (161) .
(2) المناقب: (2/37) ، البحار: (32/120، 126، 135) ، كشف الغمة: (1/238) .
(3) الإرشاد: (139) ، البحار: (32/387) .
(4) البحار: (32/76، 113) ، الإرشاد: (132) .
(5) عيون الأخبار: (2/67) .