فهل قال له علي رضي الله عنه مثلًا: ليس لاختيار أهل الشام أو بيعتهم شأن أو قيمة، ما دام الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم قد نصا على إمامتي؟ أو أنه رضي الله عنه دلل على بيعته باجتماع أهل المدينة عليه، حتى لم ير شرعية لخلافته إلا بقياس ذلك على بيعة الصديق، والفاروق، وذي النورين رضي الله عنهم أجمعين، وأن بيعتهم كانت لله رضًا، وأنهم كانوا خلفاء راشدين، يستحقون أن يدعوا من جاء بعدهم بالاقتداء بهم، لا أنهم مغتصبون لحق غيرهم.
ولم ير خلاف ذلك وهو يؤكد شرعيتهم، ويعلم يقينًا باعتبار معتقد القوم أن الإمامة لا تكون بالاختيار أو الشورى إنما بنص من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن جاء من غير هذا الطريق فهو كافر ومن يتولاه فهو مثله، وأن من ترك ولايته خارج عن الإسلام كما نسبوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما مرَّ بك، ووضعوا في ذلك العشرات من الروايات وجعلوا لها أبوابًا، مثل: باب: أنه لا تقبل الأعمال إلا بالولاية، وباب: كفر المخالفين والنصّاب، وغيرها.
فهل يرى القوم أنه رضي الله عنه ترك حقه وهو يعلم أن تركه ذلك خروج عن الإسلام وإحباط للأعمال والطاعات كما يزعمون، وهو يتولى من سبقه ويؤكد شرعية إمامتهم؛ بل ويستمد شرعية إمامته من إمامتهم، ويرى أن ذلك كان لله رضًا، وأنهما قد أحسنا السيرة وعدلا في الأمة، وأنه كان يرى الخيرية في وزارته لهم دون إمامته، ويدعو إلى بيعة غيره، ويؤكد لهم التزامه لمن اختاروه بأنه سيكون أطوعهم له كما قال؟
فلم ير رضي الله عنه باعتبار معتقد القوم أن الخير فيما اختاره الله عز وجل، بل رأى خلاف ذلك، فرأى أن كونه وزيرًا خير من اختيار الله عز وجل له بأن يكون أميرًا.
هكذا يريد منا القوم أن نقول، وهكذا يريد لنا القوم أن نعتقد فيه رضي الله عنه.