ولست بصدد الحديث عن بيان تلك الروايات، لكن أقول: إن تلك الحقبة وذلك الجيل إنما هو نتاج تربية محمد صلى الله عليه وسلم، والذي لو تأملنا فيه بعين الإنصاف لا التبعية لوجدناه جيلًا مثاليًا.. كيف لا وقد تربى في مدرسة المربي الأول، أفضل المربين، صلوات الله وسلامه عليه.
وإذا أردت الدليل الواضح البين على هذا فاقرأ قوله سبحانه وتعالى: (( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) ) [الجمعة:2] .
فتأمل! من هم الذين تلا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، وعلمهم إياه، وعلمهم السنة كذلك، ورباهم وزكاهم، وكانوا قبل كل ذلك في ضلال مبين، فإذا قرأت هذه الآية وتدبرت معناها عرفت منزلة أولئك الصحب الذين يكفرهم بعض الشيعة ويلعنونهم والعياذ بالله!
إن المتأمل لكتاب الله يجد الثناء العاطر على ذلك الجيل الفريد، سواء المهاجرين أو الأنصار، وسواء من أسلم قبل الفتح أو بعده، وهم درجات ولا شك (( وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ) ) [النساء:95] .
قف عند ثناء الله على الصحابة الكرام، وكذا ذمه للمنافقين، فإنك ستجد أنهم صنفان متغايران، ولهذا ذكر الله الصحابة ومدحهم ثم ذكر المنافقين وذمهم، ولم يقل ولا في آية واحدة: إن هؤلاء المنافقين هم من وعدهم الله الحسنى قبل ذلك، بل تحدث سبحانه عن صنفين متغايرين، كما قال سبحانه: (( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) ) [التوبة:100] ثم قال في الآية التي بعدها مباشرة: (( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) ) [التوبة:101] .