وتأمل مدحه -أيضًا- لعمر بن الخطاب رضي الله عنه [وقيل: لأبي بكر] قال رضي الله عنه: (لله بلاء فلان(1) ، لقد قوم الأود (2) ، وداوى العمد (3) ، وأقام السنة، وخلف البدعة، وذهب نقي الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها واتقى شرها، أدى لله طاعته واتقاه بحقه، رحل وتركهم في طرق متشعبة لا يهتدي إليها الضال، ولا يستيقن المهتدي..) (4) .
وكما ذكرت لك فقد تدخل الهوى تجاه هذا الكلام الجزل من الإمام علي رضي الله عنه؛ وذلك لأنه ينسف مذهب الشيعة من أساسه، كما قال الشيخ ميثم البحراني (5) : (واعلم أن الشيعة قد أوردوا هنا سؤالًا، فقالوا: إن هذه الممادح التي ذكرها في حق أحد الرجلين تنافي ما أجمعنا عليه من تخطئتهما وأخذهما لمنصب الخلافة، فإما أن لا يكون هذا الكلام من كلامه رضي الله عنه، وإما أن يكون إجماعنا خطأ) .
وقد ذهب الشيعة كل مذهب في محاولة رد هذا النص الواضح البين، كقولهم: إنه قاله لاستجلاب قلوب الناس لاعتقادهم في الشيخين أشد الاعتقاد، وهذا فيه اتهام له بالكذب من أجل الدنيا، حاشاه رضي الله عنه، ثم هل يحتاج رضي الله عنه إلى كل هذه التأكيدات والمبالغات لو لم يرد حقيقة المدح؟!
(1) ورويت (لله بلاد فلان) وقال ابن أبي الحديد: سألت عنه النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد العلوي؟ فقال لي: هو عمر بن الخطاب، فقلت له: أيثني عليه أمير المؤمنين هذا الثناء؟ فقال: نعم، ويقول أيضًا: إذا اعترف أمير المؤمنين بأنه أقام السنة وذهب نقي الثوب قليل العيب، وأنه أدى إلى الله طاعته واتقاه بحقه فهذا غاية ما يكون المدح. [شرح نهج البلاغة:2/4] .
(2) الأود: العوج.
(3) العمد بالتحريك: العلة، انظر صبحي الصالح في تعليقه على نهج البلاغة (ص:671) .
(4) نهج البلاغة (ص:430) شرح محمد عبده.
(5) ميثم بن علي البحراني (كمال الدين) من شيوخ الإمامية، من أهل البحرين، من كتبه: (شرح نهج البلاغة) ، توفي في البحرين سنة: (679هـ) ، معجم المؤلفين: (13/55) .