وذكر البحراني: أن الصحابة تصرفوا في هذه الآية لدفع العار عن شيخ الفجار -يعني: الصديق رضي الله عنه- حيث الوارد في أخبارنا أنها نزلت: [فأنزل الله سكينته على رسوله وأيده بجنود لم تروها] ، فحذفوا لفظ [رسوله] وجعلوا محله الضمير.
ثم تفننوا في صرف جميع وجوه الفضيلة في الآية إلى ضدها، نذكر منها:
أن وصفهما بالاجتماع في مكان واحد ليس فيه فضيلة؛ لأن المكان يجمع المؤمن والكافر، ومثلوا لذلك بأمثلة كسفينة نوح حيث جمعت النبي والشيطان والبهيمة.
ومنها: أن ذكر الصحبة يجمع المؤمن والكافر، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (( قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ) ) [الكهف:37] .
وأيضًا: اسم الصحبة يطلق على العاقل والبهيمة، والدليل على ذلك من كلام العرب أنهم سموا الحمار صاحبًا، فقالوا:
إن الحمار مع الحمار مطية ... ... فإذا خلوت به فبئس الصاحب
ومنها: أن قوله: (( لا تَحْزَنْ ) ) [التوبة:40] وبال عليه ومنقصة له، ودليل على خطئه، لأن قوله: (( لا تَحْزَنْ ) ) [التوبة:40] نهي، وصورة النهي قول القائل: لا تفعل، فلا يخلو أن يكون الحزن وقع من أبي بكر طاعة أو معصية، فإن كان طاعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينهى عن الطاعات بل يأمر بها ويدعو إليها، وإن كان معصية فقد نهاه النبي صلى الله عليه وسلم عنها، وقد شهدت الآية بعصيانه بدليل أنه نهاه، أما قوله: (( إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) ) [التوبة:40] فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن الله معه، وعبَّر عن نفسه بلفظ الجمع كقوله: (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) ) [الحجر:9] .