وروَى سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبي عثمانَ: أنَّ عمرَ رضِي اللّهُ عنه أُتِيَ برجلٍ في حدٍّ، فقال للجلَّادِ: اضرِبْ ولا تُرِ إبطَكَ، وأعْطِ كلَّ عضوٍ حقَّه (١) .
ومن حجَّةِ مالكٍ: أنَّ العملَ عندَهم بالمدينةِ لا يخفَى؛ لأنَّ الحدودَ عندهم تُقامُ أبدًا، وليس مثلُ ذلك يُجهَلُ. وبنحوِ ذلك مِن العملِ يسوغُ الاحتجاجُ لكلِّ فرقةٍ؛ لأنَّه شيءٌ لا يُنفَكُّ منه إلّا ما روَى كلُّ واحدٍ مِن الأثرِ عن السَّلَفِ، فيَمِيلُ باختيارِه إليه.
واختلَفوا في كيفيةِ ضربِ الرجالِ والنساءِ؛ فقال مالكٌ: الرجلُ والمرأةُ في الحدودِ كلِّها سواءٌ، لا يُقَامُ واحدٌ منهما، يُضرَبانِ قاعِدَيْنِ، ويُجَرَّدُ الرجلُ في جميعِ الحدودِ، ويُترَكُ على المرأةِ ما يستُرُها، ويُنْزَعُ عنها ما يَقِيها من الضربِ. وقال الثوريُّ: لا يُجَرَّدُ الرجلُ ولا يُمَدُّ، ويُضرَبُ قائمًا، والمرأةُ قاعدةً. وقال الليثُ بنُ سعدٍ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ: الضربُ في الحدودِ كلِّها، وفي التعزيرِ، مُجَرَّدًا قائمًا غيرَ ممدودٍ، إلَّا حدَّ القذفِ، فإنه يُضرَبُ وعليه ثيابُه، ويُنزَعُ عنه المحشُوُّ والفروُ. وقال الشافعيُّ: إن كان مَدُّه صلاحًا مُدَّ (٢) .
ومن الحجةِ لمالكٍ ما أدرَك عليه الناسَ. ومن الحُجَّةِ للثوريِّ حديثُ ابنِ عمرَ في رَجْم النبيّ -صلى الله عليه وسلم- اليهودِيَّيْن، وفيه: "لقد رأيْتُ الرجلَ يَحْنِي على المرأةِ يَقِيها الحجارةَ" (٣) . وهذا يدُلُّ على أنَّ الرجلَ كان قائمًا، والمرأةَ قاعدةً. وضرَب أبو هريرةَ