والذي يَحضُرُني من الحُجّة لمالكٍ في هذا الباب من جهةِ النَّظَر (١) ، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَّ في الصَّلاتَيْن بعَرَفةَ والمُزْدَلفةِ أنَّ الوَقتَ لهما جميعًا وَقتٌ واحدٌ، وإذا كان وقتُهما واحِدًا، وكانت كلُّ واحدةٍ تُصَلَّى في وقتِها، لَمْ تكنْ واحدةٌ منهما أوْلى بالأذانِ والإقامةِ من الأخرى؛ لأنّ ليس واحدةٌ منهما فائتةً تُقْضَي، وَإنّما هي صلاةٌ تُصَلَّى في وَقتِها، وكلُّ صلاةٍ صلِّيَتْ في وَقتِها فسُنَّتُها أن يُؤذَّنَ لها ويُقامَ في الجماعة، وهذا بيِّنٌ، واللّهُ أعلم.
وقال آخرون (٢) : أمّا الأُولى منهما فتُصَلَّى بأذانٍ وإقامة، وأمّا الثانيةُ فتُصَلَّى بلا أذانٍ ولا إقامة.
قالوا: وإنّما أمرَ عُمرُ بالتَّأذين للثانية؛ لأنَّ الناسَ كانوا قد تَفرَّقوا لعَشائهم، فأذَّن ليجمَعَهم. قالوا: وكذلك نقولُ نحن: إذا تفرَّق الناسُ عن الإمام لعَشاءٍ أو غيره، أمرَ المؤذِّنين فأذَّنُوا لجَمْعِهم، وإذا أذَّنَ أقام. قالوا: فهذا معنَى ما رُوِيَ عن عمرَ رضي اللهُ عنه. قالوا: والذي رُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ فمثلُ ذلك أيضًا.
وذَكَروا ما حَدَّثَنَاه محمدُ بن إبراهيم، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ مُطَرِّف، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حَدَّثَنَا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الرَّحمن بنِ يزيدَ، قال: كان ابنُ مسعودٍ يجعلُ العَشاءَ بالمُزْدَلفةِ بينَ الصَّلاتَيْن (٣) .
وذكَرَ عبدُ الرزّاق، قال: أخبرنا أبو بكر بنُ عيّاش، عن أبي إسحاقَ، عن