أحدٌ بينَ يديه إلَّا بإذنِه، وقد قال لهم رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مكانَكم" . فلزِمَهم أنْ يَنتظرُوه، هذا لو صحَّ أنَّه ترَكَهُم في صلاةٍ، فكيفَ وقد قيلَ: إنَّهم استأنَفُوا معه؟ فلو صحَّ هذا لبَطَلَتِ النُّكتةُ التي منها نزَعَ مَن كرِهَ الاستخلافَ، وقد أجمَع المسلمونَ على الاستخلافِ فيمن يُقيمُ لهم أمرَ دينِهم، والصلاةُ أعظمُ الدِّينِ، وفي حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ دَلالةٌ على جوازِ الاستخلافِ؛ لتأخُّرِ أبي بكرٍ وتقدُّم النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في تلك الصلاةِ، واللَّهُ أعلمُ، وحسبُكَ ما مضَى عليه مِن ذلك عملُ الناسِ، وسنذكُرُ حديثَ سهلِ بنِ سعدٍ في بابِ أبي حازم (١) إن شاء اللَّه.
قال أبو عُمر: قد نزَع قومٌ في جوازِ بناءِ المُحْدِثِ على ما صلَّى قبلَ أنْ يُحدِثَ إذا توضَّأ بهذا الحديثِ، ولا وجْهَ لما نزَعوا به في ذلك؛ لأنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَبْنِ على تكبيرِه لِمَا بينَّا قبلُ في هذا البابِ، ولو بنَى ما كان فيه حُجَّةٌ أيضًا؛ لإجماعِهم على أنَّ ذلك غيرُ جائزٍ اليومَ لأحدٍ، وأنَّه مَنسوخٌ بأنَّ ما عمِلَه المرءُ مِن صلاتِه وهو على غيرِ طهارةٍ لا يُعتدُّ به، إذْ لا صلاةَ إلَّا بطُهورٍ.
واتَّفق مالكٌ والشافعيُّ على أنَّ مَن أحدَث في صلاتِه لم يَبْنِ على ما مضَى له منها، ويَستأنِفُها إذا توضَّأَ. وكذلك اتَّفقَا على أنَّه لا يبني أحدٌ في القَيْءِ، كما لا يبني في شيءٍ من الأحداثِ.
واختلفَا في بناءِ الرَّاعِفِ؛ فقال الشافعيُّ في القديم: يَبني الرَّاعِفُ. وانصرَف عن ذلك في الجديد (٢) .