ما ترَك رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- دينارًا ولا درهمًا، ولا عَبدًا ولا أمةً، إلّا بَغلتَه البيضاءَ التي كان يَركبُها، وسلاحَه، وأرضًا جعَلها صدقةً في أبناء السَّبيل (١) .
وحديثُ أبي هريرةَ قد ذكَرناه من طُرُقٍ في "كتاب العلم" (٢) .
فهذه الآثارُ وما أشبهَها مما لا مَدخَلَ للتَّأويل فيها، بها احْتجَّ مَن أجاز الأوقاف.
وأمّا حديثُ أنسٍ هذا، فمُحتَمِلٌ للتَّأويلِ الذي ذكَرنا، والأغلبُ فيه عندَنا ما وَصَفْنا، والاحتجاجُ به في مَرْجِع الحُبُس على أقاربِ المحبِّس حُبُسًا حسنٌ قويٌّ، وباللَّه تعالى التوفيق.
قال أبو عُمر: كان منِّي هذا القولُ قبلَ أن أرَى حديثَ عبدِ العزيز (٣) بنِ أبي سلمة، عن إسحاق (٤) ، عن أنس هذا، وفيه: فباع حسّانُ نصيبَه من معاوية، على ما ذكَرناه فيما تقدَّمَ مُلْحقًا، فعادَ ما ظننَّاه يَقينًا، والحمدُ للَّه.
وأمّا قولُه: "بَخٍ ذلكَ مالٌ رابحٌ" فإنّه أرادَ: مالٌ رابحٌ صاحبُهُ ومُعْطيهُ، فحَذَفَ؛ وذلك مَعْروفٌ من كلام العَرَب يقولون: مالٌ رابحٌ ومَتْجَرٌ رابحٌ، كما قالوا: ليلٌ نائمٌ، أي: يَنامُ فيه. وهكذا رواه يحيى: "مالٌ رابحٌ" من الرِّبْح، وتابعَهُ على ذلك جماعةٌ. ورواه ابنُ وَهْبٍ وغيرُه بالياءِ المَنْقوطة باثنتين من تحتها، وقال في تَفْسيره: إنّه يَرُوحُ على صاحبِه بالأجْرِ العظيم (٥) .