كان يُصَلِّيها فيه كلَّ ليلةٍ، حتّى كادَ الشَّفقُ أن يَغِيبَ، ثُمَّ نزلَ فصلّاها وغابَ الشَّفقُ، وصلَّى العِشاءَ، وأخبرَ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، كذلك كان يفعلُ إذا جَدَّ به السَّيرُ (١) .
قيلَ لهُ: قد رَوَى حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّهُ اسْتُصرِخَ (٢) على صَفيَّةَ، فسارَ حتّى غابتِ الشَّمسُ، وبَدَتِ النُّجُومُ، وقال: إنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا عجِلَ به السَّيرُ في سَفرِهِ، جَمعَ بين هاتينِ الصَّلاتينِ، فسارَ حتّى غابَ الشَّفقُ، ثُمَّ نزلَ فجمَعَ بينهُما (٣) .
وهذا الإسنادُ أصحُّ (٤) ، ومعناهُ على ما ذكَرْنا أوضحُ، ولو صحّا جميعًا، كانا دليلًا على جَوازِ الجمع كيف شاءَ المُسافِرُ من الوَجْهينِ جميعًا.
وقد أجمَعَ المُسلمُونَ قديمًا وحديثًا، على أنَّ الجمعَ بين الصَّلاتينِ بعَرَفةَ: الظُّهرِ والعصرِ، في أوَّلِ وقتِ الظُّهرِ، والمغرِبِ والعشاءِ بالمُزدلِفةِ، في وقتِ العشاءِ. وذلك سفرٌ مُجتمعٌ عليه، وعلى ما ذَكَرنا فيه، فكلُّ ما اختُلِفَ فيه من مِثلِهِ، فمردُودٌ إليهِ.
روى مالكٌ (٥) ، عن ابن شِهاب، أنَّهُ قال: سألتُ سالم بن عبدِ الله: هل يُجمعُ بين الظُّهرِ والعَصْرِ في السَّفرِ؟ فقال: نعم، لا بأسَ بذلك، ألم ترَ إلى صَلاةِ النّاسِ بعَرَفةَ؟