فهذا سالمٌ قد نزَعَ بما ذكَرْنا، وهُو أصلٌ صحيحٌ لمن أُلْهِمَ رُشْدَهُ ولم تَمِلْ به العَصبيَّةُ إلى المُعاندةِ.
ومعلُومٌ أنَّ الجمعَ بين الصَّلاتينِ للمُسافِرِ رُخصةٌ وتَوْسِعةٌ، ولو كان الجمعُ على ما قال ابنُ القاسم والعِراقيُّونَ، من مُراعاةِ آخرِ وقتِ الظُّهرِ وأوَّلِ وقتِ العصرِ، لكان ذلكَ أشدَّ ضيقًا، وأكثر حَرَجًا، من الإتيانِ بكلِّ صلاةٍ في وَقْتِها؛ لأنَّ وقتَ كلِّ صلاةٍ أوسعُ، ومُراعاتهُ أمكنُ، من مُراعاةِ طَرَفي الوَقْتينِ، ومن تدبَّر هذا وجَدهُ، كما وصَفْنا، وبالله توفيقُنا.
ولو كان الجمعُ بين الصَّلاتينِ في السَّفرِ، على ما ذهَبَ إليه هؤُلاءِ أيضًا، لجازَ الجمعُ بين العصرِ والمغرِبِ على ذلك المَذْهبِ، وبين العِشاءِ والفجرِ، وقد أجمعَ العُلماءُ على أنَّ السُّنَّةَ، إنَّما وردت في الجَمْع بين صلاتي النَّهارِ: الظُّهرِ والعصرِ، وبين صلاتي اللَّيل: المغرِبِ والعشاءِ، للرُّخصةِ في اشْتِراكِ وَقْتيهِما في السَّفرِ، لأنَّهُ عُذرٌ، وكذلك عُذرُ المطرِ، وليسَ ما قالهُ أبو حنيفةَ وأصحابُهُ في كَيْفيَّةِ الجمع جمعًا (١) إذا كانت كلُّ واحِدةٍ من الصَّلاتينِ يُؤتَى بها في وقتِها.
وقد ثبتَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديثِ وغيرِهِ، أنَّهُ كان يجمعُ بينَهما (٢) مُسافِرًا في وَقْتِ إحداهُما.
أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا يزيدُ بن خالدٍ الرَّمليُّ، قال: حدَّثنا المُفضَّلُ بن فَضالةَ