وفي حديثِ عائشة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قيلَ له: كيفَ يأتيكَ الوحيُ؟ قال: "يأتيني الوحيُ أحيانًا في مثلِ صلصلةِ الجَرَس (١) ، فيَفْصِمُ عنِّي وقد وعَيْتُ ما قال" (٢) .
وقد كان يتراءَى له جبريلُ من السَّحاب، وكان أولَ ما ابتُدئ من النُّبوَّة أنّه كان يرى الرُّؤيا فتأتي كأنَّها فَلَقُ الصُّبح، وربما جاءه جبريلُ في صِفَةِ إنسانٍ حسَنِ الصُّورة، فيكلِّمُه، وربَّما اشتدَّ عليه حتى يغِطَّ غطِيطَ البَكْر (٣) ، ويئِنَّ ويَحمَرَّ وجهُه، إلى ضُروبٍ كثيرةٍ يطُولُ ذِكرُها.
وقد يَحتمِلُ أن تكونَ الرُّؤيا جزءًا من النُّبوَّة، لأنَّ فيها ما يَعجِزُ ويَمتنِعُ، كالطير انِ وقلبِ الأعيان، ولها التَّأويلُ الحسَنُ، وربما أغنَى بعضُها عن التَّأويل.
وجملةُ القولِ في هذا الباب أنَّ الرُّؤيا الصّادقةَ من اللَّه، وأنّها من النُّبوَّة، وأنَّ التصديقَ بها حقٌّ، وفيها من بديع حِكْمةِ اللَّه ولُطفِه ما يَزيدُ المؤمنَ في إيمانِه. ولا أعلمُ بينَ أهلِ الدِّينِ والحقِّ، من أهلِ الرَّأيِ والأثر، خلافًا فيما وصَفْتُ لك، ولا يُنكِرُ الرُّؤيا إلّا أهلُ الإلحاد، وشِرذِمةٌ من المعتزلة.
وأمّا قولُه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الحديث: "الرُّؤيا الصالحةُ من الرجلِ الصالح" . وربما جاء في الحديث: "الرُّؤيا الصالحةُ" . فقط، وربما جاء في الحديثِ أيضًا: "رُؤيا المسلم" . فقط (٤) ،