كيف معبَدُ بنُ نُباتة هذا؟ فإن كان ثقةً فالحجّةُ فيما روَى عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (١) .
قال أبو عُمر: قد استَدَل أصحابُنا على صحة ما ذهَبوا إليه في أن المُلامَسةَ ما دونَ الجماع بأدلةٍ يطُولُ ذكرُها؛ منها أن قالوا: المُلامسةُ لم يُرِدِ اللَّهُ بذكرِها في آية الوضوء الجِماع؛ لأنه أفرَدها من ذكرِ الجنابة بقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} . فجاء بالشّرطِ وجوابِه، ثم استأنَف فقال: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} . فجاء بالشّرْط وجوابِه، فدلَّ ذلك على أنّ الملامسةَ غيرُ قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا} . وانتَفى بذلك أن تكونَ المُلامسةُ الجماعَ، ودخلَت في باب الحدَث الموجبِ للوُضوءِ والتَّيمُّم؛ لأنه جمَعها في الذِّكر مع الغائط، وجاء بجوابٍ واحدٍ لذلك الشرط، كما جاء في قوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} . فجاء بالشرط وجوابه، ثم استأنَف ذكرَ الجماع بحكم مفرَد، فقال: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} . فجاء بالشرطِ وجوابِه تامًّا. قالوا: وهذا هو المفهومُ من كلام العرب.
قالوا: ولهذا كان ابنُ مسعودٍ وعمرُ يذهبان إلى أن الجُنُب لا يَتيَمَّم؛ لأنه أُفرِد بحُكْم الغُسْل، ولم يَريا الجِماعَ من المُلامسة. وقد ذكَرْنا وجْهَ قولهما، وما يردُّه من السُّنة في باب عبدِ الرحمن بنِ القاسم من كتابنا هذا (٢) ، والحمدُ للَّه.