ثم أدَّاها إلى مَن لم يسمعْها، فرُبَّ مبلِّغ أوعَى له من سامع" (١) . وروَى ابنُ سيرينَ هذا الخبرَ، وقال: قد - والله - كان ذلك، رُبَّ مبلِّغ كان أوْعَى للخبر من سامعِه.
وفيه أيضًا دليلٌ على أنَّ من شأنِ الخُطبةِ أن يقالَ فيها: أمّا بعدُ.
وقد اختُلِف في قول الله عزَّ وجلَّ: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [ص: ٢٥] . فقال قوم: فَصْلُ الخِطاب: أمّا بعدُ (٢) .
وقال آخرون: فصلُ الخِطاب: البيِّناتُ، والشُّهودُ، ومعرفةُ القضاء (٣) .
وفيه أيضًا: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أجاز بيعَ بَريرةَ على ذلك الشرط الفاسد، وهو اشتراطُ موالي بَريرَةَ لأنفُسِهم الولاءَ دون عائشة وهي المُعتِقةُ، وهذا خلافُ قولِ مَن زعمَ أنَّ البيعَ يفسُدُ إذا كان فيه شرط فاسدٌ. وفي إجارر النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - البيعَ وشرطَ العتقِ معًا، وإبطالِه شرطَ الولاءِ لغير المعتِقَةِ دليلٌ على أنَّ من الشروط ما يبطُلُ ولا يَلزَمُ، ولا يَضرُّ البيع.
والشروطُ في البيع على وجوه ثلاثة:
أحدُها: مثلُ هذا، فاسدٌ ولا يبطُلُ البيعُ لبُطلانِه، بل يصحُّ البيعُ ويبطُلُ الشرط.
والآخَر: يجوزُ اشتراطُه، فيجوزُ البيعُ والشرطُ معًا.
والثالث: قد يكونُ في البيع شروطٌ يكونُ البيعُ معَها فاسدًا. ولبيانِ ذلك وبَسْطِه وتلخيصِه موضعٌ غيرُها.