وإنَّما كان هذا منه - صلى الله عليه وسلم - قبلَ فتحِ مكةَ، فلمَّا فتَح اللهُ عليه مكةَ قال لهم: قد انقطعتِ الهجرةُ، ولكن جهادٌ ونيةٌ إلى يومِ القيامة.
حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسمِ بنِ عيسى المقرئُ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ محمدِ بنِ إسحاقَ بنِ حَبابةَ ببغدادَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ البغويُّ، قال: حدَّثنا خلفُ بنُ هشامٍ البزَّارُ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي حازم، عن أبيه، عن سهلِ بنِ سعد، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال يومَ خيبرَ: "لأُعْطِيَنَّ الرَّايةَ رجلًا يفتَحُ اللهُ على يدَيه" . فذكَر أن الناسَ طَمِعوا في ذلك، فلمَّا كان من الغدِ قال: "أين عليٌّ؟ " ، فأتاه وهو أرمَدُ، فتفَل في عينِه فذهَب ما كان به كأنَّه لم يكنْ به شيءٌ، فأعطاه الرايةَ، فقال: أُقاتِلُهم حتى يكونوا مثلَنا. فقال: "على رِسْلِك، انْفُذْ حتى تنزلَ بساحتِهم، فإذا نزَلْتَ بساحتِهم فادْعُهم إلى الإسلام، وأخبِرْهم بما يجِبُ عليهم منه مِن الحقِّ - أو مِن حقِّ الله - فوالله لأنْ يهدِيَ اللهُ بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك مِن حُمُرِ النَّعَم" (١) .
قال أبو عُمر: هذا حديثٌ ثابتٌ في خيبرَ أنَّهم لم يُقاتِلْهم حينَئذٍ حتى دعاهم، وهو شيءٌ قَصَّرَ عنه أنسٌ في حديثِه، وذكَرَه سهلُ بنُ سعد، وقد رُوِي عن أنسٍ أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَر عليًّا ألَّا يُقاتِلَ قومًا حتى يدعُوَهم. رَواه ابنُ عيينةَ، عن عُمرَ بنِ ذَرٍّ، عن ابنِ أخِي أنسِ بنِ مالك، عن عمِّه (٢) . وخالَف أبو إسحاقَ الفَزَارِيُّ ابنَ عيينةَ في إسنادِ هذا الحديث، وابنُ عيينةَ أحفظُ إن شاءَ الله (٣) .