فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 1461 من 36878

جادتْ عليه كلُّ عَينٍ ثَرَّةٍ * فترَكْنَ كلَّ قَرارةٍ كالدِّرْهمِ

يريد: صيَّرن) انتهى

قلت، ويُروَى

جادتْ عليه كلُّ بِكْرٍ ثَرَّةٍ * فترَكْنَ كلَّ حَديقةٍ كالدِّرْهمِ

وجعل ابن هشام في"شذور الذهب"فِعل"التَّرك": من أفعال التصيير، وهو ممَّا يتعدَّى لمفعولين، أولهما وثانيهما: مبتدأ وخبر في الأصل.

ووافقه الخضري، في"حاشيته"، وقال:

(وأصل"تَرَك"كونها بمعنى: طَرح وخلَّى، فلها مفعول واحد، فضُمِّن معنى: صيَّر، فتعدَّى لاثنين، مثله نحو قوله تعالى: {وتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ} البقرة 17) انتهى

وهو ما قرَّره جميل ظفر في"النحو القرآني، قواعد وشواهد"، أنَّ الفعل"ترك"يجوز أن يكون من أفعال التصيير، التي تسمَّى أيضًا أفعال التحويل، وتنصب مفعولين.

ومن شواهده، قوله تعالى: {وتَركْنا بَعضَهم يَومَئذٍ يَموجُ في بَعضٍ} الكهف 99

وقال أبو حيَّان:

(الترك: التخْلِية، اتْرُك هذا، أي: خلِّه ودَعْه، وفي تضمينه معنى التصيير وتعديته إلى اثنين خلاف، الأصح جواز ذلك) انتهى

وقال السمين:

(وأصل الترك: التخلية، ويُراد به التصيير، فيتعدَّى لاثنين على الصحيح، كقول الشاعر:

أمَرْتُك الخيرَ فافعلْ ما أُمِرتَ بهِ * فقد تركتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ) انتهى

ومن شواهده أيضًا، قول عنترة:

فَترَكْتُهُ جَزَرَ السِّباعِ يَنُشْنَهُ * ما بَينَ قُلَّةِ رَأسِهِ والمِعْصَمِ

ويٌروَى:

فَترَكْتُهُ جَزَرَ السِّباعِ يَنُشْنَهُ * يَقْضمْنَ حُسْنَ بَنانِهِ والمِعْصَمِ

وتجدر الإشارة إلى أنه قد ورد هذا الفعل في عدَّة مواضع من القرآن العظيم، ومنها:

قوله تبارك وتعالى: {فَتَرَكَهُ صَلدًا} البقرة 264

وقوله تعالى: {وإذا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا} سورة الجمعة 11.

وقوله عزَّ اسمه: {ما قَطَعْتُم مِن لِينةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً علَى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ} الحشر 5.

وقوله جلَّ وعلا: {واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا} الدخان 24.

وقوله عزَّ في علاه: {أتُتْرَكُونَ في ما هَهُنا ءَامِنِينَ} الشعراء 146.

وأعود الآن للنظر في توجيه الإعراب.

الفعل"تَرك"يتعدَّى لمفعول واحد، عند مَن يرَى أنَّ"ترك"بمعنى خلَّف أو أبقَى.

وعليه، يكون الضمير المتصل بالفعل مِن {تَركَهُم} هو مفعوله.

{في ظُلُماتٍ} ، {لا يُبصِرونَ} حالان.

قاله ابنُ هشامٍ في"مغنيه"، ومثَّل بقوله:

(وتقول:"تركتُ زيدًا عالمًا"، فإن فسَّرت تركت بـ"صيَّرت"، فـ"عالمًا"، مفعول ثان، أو بـ"خلَّفت"فحال) انتهى

وقال أبو حيَّان في"بحره":

(وإن كان ترك متعديًا لواحد، فيحتمل أن يكون {في ظُلُمات} في موضع الحال من المفعول، فيتعلق بمحذوف.

و {لا يُبصرون} في موضع الحال أيضًا.

إمَّا من الضمير في {تركهم} .

وإمّا من الضمير المستكن في المجرور، فيكون حالًا متداخلة.

وهي في التقديرين حال مؤكدة، ألا تَرى أنَّ مَن تُرِك في ظُلمة لَزِم من ذلك أنه لا يُبصر؟) انتهى

قلتُ: ووافقه السمين الحلبيُّ، في"درِّه":

أمَّا على الرأي الثاني، وهو أنَّ"ترك"بمعنى: صيَّر، وهو ما ذهب إليه صاحبنا، في"تبيانه"، فقد ذكر ابنُ هشامٍ توجيه إعرابه في"مغنيه"، وقال:

(وإذا حمل قوله تعالى: {وتَركَهم في ظُلُمات لا يُبصرونَ} ،

على الأول: فالظرف و {لا يُبصرونَ} مفعول ثانٍ تكرر كما يتكرر الخبر.

أو الظرف مفعول ثان، والجملة بعده حال.

أو بالعكس) انتهى

قلتُ: يعني بـ"الأول"، أي: تَركَ بمعنى: صيَّر.

ويعنى بـ"الظرف"، أي: الجار والمجرور {في ظُلُماتٍ} .

وقد وافق ابنُ هشام أبا البقاء العكبري، في جواز أن يكون الظرف حالًا، وهو ما ردَّه أبو حيَّان، ووافقه تلميذُه السمين.

قال أبو حيَّان:

(وإن كان {تَرك} ممَّا يتعدَّى إلى اثنين،

كان {في ظُلُماتٍ} في موضع المفعول الثاني، و {لا يُبصرون} جملة حالية.

ولا يجوز أن يكون {في ظُلُماتٍ} في موضع الحال، و {لا يُبصرونَ} جملة في موضع المفعول الثاني.

وإن كان يجوز:"ظننتُ زيدًا منفردًا لا يخافُ"، وأنت تريد: ظننتُ زيدًا في حال انفراده لا يخافُ.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت