ـ [صالح بن سعد بن حسن المطوي] ــــــــ [22 - 10 - 2005, 08:46 م] ـ
هذه المقالة منقولة من مجلة تراثنا العدد 15
رأي في أصول النحو
وصلته باصول الفقه
الدكتور السيد مصطفى جمال الدين
مقدمة وتمهيد:
الاصول، في اللغة: جمع أصل وهو: «أسفل كل شيء» (1) . وقال الراغب: «أصل الشيء قاعدته التي لو توهمت مرتفعة لارتفع بارتفاعها سائرة، لذلك قال تعالى: أصلها ثابت وفرعها في السماء» (2) .
ويطلق الاصوليون كلمة «أصل» على معان منها:
1 ـ (الدليل) أو المصدر الذي يستندون إليه في استنباط الحكم الشرعي، فيقولون مثلا: «الاصل في هذه المسألة: آية المائدة» أو: «الاصل: حديث ابن مسعود» وأمثال ذلك.
2 ـ ومنها (القاعدة الاصولية) التي مهدوها لكيفية استنباط الحكم من الدليل، كقولهم: «الاصل أن النص مقدم على الظاهر» و «الاصل أن عام الكتاب قطعي» وهكذا.
3 ـ ومنها أن كلمة الاصل تطلق على «الوظيفة» التي يعمل بها المكلف عند عدم عثوره على دليل من الادلة التي يستنبط منها الحكم إلى أن يعثر على
(1) لسان العرب، دار صادر 11>16.
(2) مفردات الراغب الاصفهاني: 15.
الدليل، فيقال: «الاصل براءة الذمة» ، أو: «الاصل استصحاب الحال السابقة» ، أو: «الاصل الاحتياط» .
4 ـ ومنها ما يقابل الفرع في العملية القياسية، فيقولون: «الخمر أصل النبيذ» أي أن حكم النبيذ ينبني على حكم الخمر، لتساويهما في العلة.
5 ـ ومنها ما يدل على «الرجحان» ، فيقولون: «الاصل الحقيقة» أي إذا تردد الامر بين حمل الكلام على الحقيقة أو المجاز فإن الحقيقة أرجح.
ولعل المعاني الثلاثة الاولى هي الاقرب إلى ما نسميه بـ «اصول الفقه» فإن أصول الفقه تعني: الادلة التي يستنبط منها الفقه، كما تعني القواعد التي تتم بها عملية الاستنباط من الادلة، وتعني أيضا الاصول العملية التي نجري عليها عند خفاء تلك الادلة، وهذه الثلاثة تشترك بالمعنى اللغوي للاصل، أي: «الاساس الذي ينبني عليه الشيء» .
وفي تشخيص الادلة والاصول العملية اتفق الاصوليون على: النص الشرعي - من الكتاب والسنة ـ والاجماع، ثم اختلفوا، بعد ذلك، في أدلة ما لا نص فيه: القياس، ودليل العقل، والاستحسان، والاستصحاب، والمصالح المرسلة، وغيرها.
وفي القواعد الممهدة لعملية الاستنباط من الادلة اتفقوا على اليسير منها، واختلفوا في الاكثر، فتراهم مختلفين في: طرق وصول النص، وأوجه دلالته، وفي كيفية حصول الاجماع ونقله، وفي أركان القياس ومسالك علته، وفي مصاديق ما يمكن أن يكون مسرحا لادراك العقل حكم الله فيه، وأمثال ذلك.
أما النحاة فيعنون بما يسمونه: «أصول النحو» ما عناه الاصوليون من «أصول الفقه» بشقيها، أي الادلة والمصادر التي يبنى عليها النحو. . . والقواعد الممهدة لاستنباط الحكم النحوي من هذه الادلة والمصادر. وأبرز من كتب في أصول النحو ـ ولعله أول من أسس ذلك ـ هو أبو الفتح عثمان بن جني (ـ 392 هـ) في «الخصائص» ثم تلاه أبو البركات الانباري (ـ 577 هـ) في كتابه
«لمع الادلة» ثم جلال الدين السيوطي (ـ 911 هـ) في كتابه «الاقتراح» ، ولم أعثر، في حدود جهدي، على كتب لقدماء النحاة تعنى بهذه الاصول غير ما ذكرت (3) .
وقد كان لمنهج البحث الاصولي أثره الكبير في منهج البحث النحوي في كل من الناحيتين: تشخيص الادلة. . . وأوجه دلالتها. وربما علل بعض النحويين ذلك: بأن «النحو معقول من منقول، كما أن الفقه معقول من منقول» (4) .
(يُتْبَعُ)