لذلك نجد في تشخيصهم لادلة النحو نفس ما وجدناه عند الاصوليين من: النص «السماع» ، والقياس، والاجماع، والاستحسان، والاستصحاب، وغيرها. وفي أوجه دلالتها نراهم يبحثون ـ كما يبحث الاصوليون ـ في: طرق حمل النص، وثقة النقلة والرواة (5) ، وعن التواتر والاحاد، والمرسل، والمجهول، وشروط ذلك (6) ، كما يتحدثون عن إجماع أهل العربية، ومتى يكون حجة، ومتى تجوز مخالفته (7) ، وعن أنواع من الاجماع أخرى، كإجماع العرب، والاجماع السكوتي، وإحداث قول ثالث (8) .
وتكلموا عن أقسام القياس: قياس العلة، وقياس الشبه، وقياس الطرد (9) . وعن أركانه الاربعة من: أصل، وفرع، وحكم، وعلة، وشروط هذه الاركان (10) . ولان ابن جني كان حنفيا، والاحناف يعتبرون العلة هي ركن
(3) أما «أصول ابن السراج» فإن كلمة «الاصول» فيه أشبهت بعض الباحثين فاعتبره من نوع هذه الكتب، وهو ليس منها، ولعل كلمة الاصول هنا تعني القواعد النحوية، لا الادلة التي تنبني عليها القواعد، وما في أصول ابن السراج لا يتعدى النحو الاعتيادي في الغالب.
(4) نزهة الالباء ـ لابن الانباري ـ: 54، والاشباه والنظائر ـ للسيوطي ـ 1>5.
(5) الخصائص ـ لابن جني ـ 3>309.
(6) لمع الادلة ـ لابن الانباري ـ: 32 ـ 40.
(7) الخصائص 1>189.
(8) الاقتراح ـ للسيوطي ـ 34 ـ 36.
(9) لمع الادلة: 53 ـ 60.
(10) الاقتراح: 39 ـ 50.
القياس الوحيد، وما عداها فهي شرائط (11) لذلك خص العلة ببحوث غاية في الدقة، تحدث فيها عما تحدث عنه الاصوليون، فذكر في الخصائص أبوابا: لتخصيص العلة 1>144، والفرق بين العلة والسبب 1>162، وتعارض العلل 1>166، والعلة المتعدية والعلة القاصرة 1>169، والمعلول بعلتين 1>174 وأمثال ذلك مما بحثه الاصوليون في باب العلة القياسية.
وفي مسالك العلة تحدث السيوطي عن: النص عليها والايماء إليها، والاجماع، والسير والتقسيم، والشبه، والطرد، وعدم الفارق (12) . وكل هذه المسالك هي التي يذكرها الاصوليون، عادة، في مسالك العلة الشرعية.
وعرفوا الاستصحاب بما يشبه تعريف الاصوليين: «إبقاء حال اللفظ على ما يستحقه عند عدم دليل النقل عن الاصل» (13) ووضعوه في نفس المرتبة التي وضعها بها الاصوليون بالنسبة للادلة الاخرى، أي أنه لا يجوز العمل به عند وجود الادلة والامارات.
أما الاستحسان فقد ذكره ابن جني، لان أصحابه من الحنفية يأخذون به، ولكن الانباري والسيوطي لم يجعلاه من أدلتهما ـ مع ذكرهما له ـ لانهما شافعيان، والامام الشافعي يبطله ويقول في رسالته: «الاستحسان تلذذ» (14) ونقل عنه قوله: «من استحسن فقد شرع» أو «فإنه أراد أن يكون شارعا» (15) .
ولم ينس النحويون أن يختموا أصولهم بما تختم به أصول الفقه عادة من باب «التعارض والترجيح» وقد ذكروا في هذا الباب: تعارض النصوص، وتعارض الاقيسة، وتعارض النص والقياس وأمثال ذلك (16) .
(11) أنظر: كشف الاسرار على أصول البزودي 3>344 ـ 345، وأصول السرخسي 2>174.
(12) الاقتراح: 58 ـ 63.
(13) الاقتراح: 72، واللمع: 87.
(14) الرسالة: 507.
(15) المستصفى ـ للغزالي ـ 1>137، وحجة الله البالغة ـ للدهلوي ـ 1>311. .
(16) أنطر: اللمع: 80 ـ 86، والاقتراح: 77 ـ 81.
بعد هذا العرض الموجز لما يسميه هؤلاء المؤلفون بـ «أصول النحو» نستطيع، بأدنى نظر، أن نشخص الاثر الكبير لمنهجة أصول الفقه عليه، خاصة وأن الذين ألفوا هذه الاصول ـ وإن ادعى كل منهم أنه مبتكرها ـ كانوا حريصين على الاعتراف باتباعهم حد أصول الفقه. يقول ابن جني ـ وهو أول من كتب في هذه الاصول ـ: «لم نر أحدا من علماء البلدين ـ البصرة والكوفة ـ تعرض لعمل أصول النحو على مذهب أصول الكلام والفقه» (17) .
(يُتْبَعُ)