وقال الانباري: «وألحقنا بالعلوم الثمانية ـ يقصد علوم الادب ـ علمين وضعناهما: علم الجدل في النحو، وعلم أصول النحو. . . على حد أصول الفقه، فإن بينهما من المناسبة ما لا خفاء به، لان النحو معقول من منقول كما أن الفقه معقول من منقول» (18) .
وقال السيوطي عن كتابه «الاقتراح» : «في علم لم اسبق إلى ترتيبه، ولم أتقدم إلى تهذيبه، وهو أصول النحو الذي هو بالنسبة إلى النحو كاصول الفقه بالنسبة إلى الفقه» (19) مع أنه نقل في كتاب جل ما قاله الانباري في اللمع، وما قاله ابن جني في الخصائص.
وكل من تتبع أصول النحو في هذه الكتب الثلاثة ـ وبخاصة اللمع والاقتراح ـ يجد أثر أصول الفقه شائعا في تعريفاتها، وتقسيماتها، وشروطها، وأحكامها. بل كانت الظاهرة الشائعة في العصور المتأخرة تقليد المؤلفين من النحاة للفقهاء والاصوليين في وضع كتب على غرارهم، كما قال أبو البركات في مقدمة كتابه «الانصاف» أنه وضعه في «المسائل الخلافية بين نحويي البصرة والكوفة، على ترتيب المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة» ومثل ذلك قال في مقدمة «الاغراب في جدل الاعراب» وتبعه السيوطي في «الاشباه والنظائر النحوية» كذلك.
(17) الخصائص 1>2.
(18) نزهة الالباء: 53 ـ 54.
(19) الاقتراح: 2.
وليس المهم هنا هو معرفة تأثر النحاة بالاصوليين، ولكن المهم أن نسأل عن الطريقة التي اتبعها هؤلاء النحاة في تأصيل هذه الاصول، لنحكم بعد ذلك على مقدار قيمتها.
الطرق المتبعة لتأسيس الاصول
المعروف أن النحو ولد أشبه ما يكون بالصناعة الكاملة ـ من ناحية المنهج والاستنتاج ـ في كتب المدرستين القديمة، وبخاصة في كتاب سيبويه ومعاني الفراء، وإذا كانت هناك إضافات تستحق الذكر، بعدهما، فهي بلا شك حدثت قبل تأسيس الاصول النحوية هذه، وذلك لان النحو بعد القرن الرابع بدأ يلوك نفسه، ويدور ـ كما هو معروف ـ في حلقة مفرغة من التعليلات والاوهام، ولكنها لا تخرج غالبا عما جاءت به المدرستان من مسائل وأحكام.
والذي نعرفه عن «الاصول» ـ أية أصول سواء أكانت للفقه، أم للنحو، أم للادب، أم لاي فن آخر ـ ما هي إلا مناهج وأصول بحث تقوم عليها أحكام ذلك الفن وقضاياه، من أجل ذلك ينبغي أن تكون أصول البحث في رتبة سابقة، أو موازية للبحث أو المبحوث فيه، وهذه طبيعة كل أساس يراد البناء عليه، فماذا يراد إذن بهذه الاصول التي جاءت متأخرة جدا عن النحو، باعتباره صناعة قائمة، هذه الاصول التي استعارها (مبتكروها) من أصول علم آخر قام جنبا إلى جنب مع النحو، وبدأ بناة العلمين معا يقيمونهما في عصر متقارب، ولابد أن يكون لكل منهما أسسه ومناهجه الملائمة لطبيعته؟
من حيث الاساس هناك تفسيران مقبولان لتدوين أصول أي علم بعد قيامه واكتماله:
1 ـ الطريقة التأسيسية النظرية:
وهي أن يكون هذا التدوين «نقديا نظريا» وذا طبيعة جدلية منطقية، أي أن واضعي تلك الاصول نظروا في أحكام ومسائل الفن القائم، فلم تعجبهم
أصوله ومناهجه المهزوزة، لذلك طفقوا يحققون القواعد والاصول المثلى التي يجب أن يقوم عليها بناء الفن، سواء أكانت مسائله وأحكامه السابقة صحيحة في معيار هذه الاصول الجديدة أم فاسدة.
وعلى هذه الطريقة أسس الامام الشافعي أصوله وبنى فقهه، وخالفه فيه الفقه القائم في مدرستي الكوفة والمدينة ـ أصولا وأحكاما ـ وفيهما فقه استاذيه: مالك بن أنس، ومحمد بن الحسن الشيباني، وذلك أن أصول الشافعي ومناهجه الجديدة تبطل من أصول مالك ما كان يعتمده من «إجماع أهل المدينة» و «المصالح المرسلة» و «سنة الصحابة» وغيرها. وتبطل من أصول العراقيين ـ أبي حنيفة وطلابه ـ ما كانوا يرونه من «الاجماع السكوتي» و «الاستحسان» و «الرأي» ، وما كانوا يشترطونه للسنة من شروط تضيق دائرة الاعتماد على الحديث النبوي.
(يُتْبَعُ)