والصحيح أنَّ الفاء قد استقر لها الترتيب، فمهما أمكن إبقاؤها على ما استقرَّ لها كان أولى، وقد أمكن ذلك بأن تَجعلَ الترتيبَ بالنظر إلى الذكر، وذلك أنَّ قولهم عفا موضع كذا فموضع كذا فموضع كذا، قد لا تحضره أسماءُ الأماكن في حين الإِخبار دفعةً واحدةً، فهو في حين الإِخبار متذكّرٌ لها متتبّعًا، فما سبق إلى ذكره أتى به أولًا وما تأخر في ذكره أتى به بالفاء، وتجعل الفاء منبئة عن هذا المعنى لأنها قد تقرر فيها أنها تجعل الثاني بعد الأول بلامهلة، فمهما أمكن إبقاؤها على ذلك بوجه ما كان أولى.
واستدل من ذهب إلى أنّها لا ترتّب في جميع الأماكن بما استدلّ به الفراء والجرمي، إلا أنّهم حملة سائر الأماكن على ذلك.
والذي يدل على فساد مذهب هؤلاء أن العرب تقول: اختصم زيدٌ وعمروٌ ولا تقول: اختصم زيدٌ فعمروٌ، فلو كانت الفاء بمنزلة الواو في جميع المواضع لوجب أن يجوز في مثل هذا العطف بالفاء.