{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} (النحل: 98) . وبقوله جل ذكره: {وَكَم مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا فَجَآءهَا بَأْسُنَا} (الأعراف: 4) فقدم الإهلاك على مجيء البأس، وقدم القراءة على الاستعاذة، ومعلوم أنّهما مؤخران في المعنى لما كان مجيء البأس من سبب الإِهلاك وهو الهلاك في المعنى والاستعاذة من سبب القراءة شرعًا.
وهي قراءة في المعنى.
ولا حجة له في ذلك لأنه يحتمل أن يتخرج على أن يكون قرأت بمعنى أردتَ أن تقرأ لأن العرب قد تقول: فَعَلَ فلانٌ، بمعنى قاربَ أن يفعلَ أو أراد أن يفعلَ فمن ذلك قولهم: قد قامتِ الصلاةُ، أي قد قرب قيامُها أو أريد قيامها. ومنه قول الفرزدق:
إلى ملكِ كادَ النجومُ لِفَقْدِهِ
يَقَعْن وزال الراسيات من الصخر
يريد وأرادت الراسياتُ من الصخرِ أن تزولَ، أو قاربت أن تزولَ. فيكون التقدير: فإذا أردت أن تقرأ القرآن فاستَعذْ باللَّهِ، وتكون الفاء إذ ذاك باقية على بابها من الترتيب.
وأما قوله تعالى: {وَكَم مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا فَجَآءهَا بَأْسُنَا} (الأعراف: 4) . فيحتمل أمرين، أحدهما أن تكون كما تقدم، كأنه قال: أردنا إهلاكها فجاءها بأسُنا.
والآخر: أن يريد بقوله تعالى: أهلكناها، أنه أهلكها هلاكًا من غير استئصال، فجاءها بأسنا فهلكت هلاك استئصال. وعلى مثل هذا يتخرج ما جاء من هذا النوع. واستدل الجرمي على أنها ترتب في الأماكن بقول النابغة.
عفا ذو حُسىَ من فَرْتَنَى فالفوارعُ
فجنبا أريك فالتِلاعُ الدوافع
ومعلوم أنَّ هذه الأماكن لم تعفُ على ترتَيب، إذ الوقوف على مثل هذا صعب متعذر أعني أن يكون الثاني من الأماكن قد عفا عند انقضاء عفاء الأول من غير مهلة بينهما. وبما ذكرناه أولًا من قول العرب: نزل المطر مكان كذا فمكان كذا فمكان كذا، وإن كان المطر قد نزل بهذه الأماكن في حين واحد.