فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 831

وحتى بمنزلة الواو في أنّها للجمع من غير ترتيب ولا مهلة، فإذا قلت: قام القومُ حتّى زيدٌ، احتمل أن يكون القائم أولًا زيدًا وأن يكون القائم أولًا القوم، بمهلة أو غير مهلة، وأن يكونوا قاموا في وقت واحد. إِلاَّ أنّها تفارق الواو في أَنَّ ما بعدها لا يكون أبدًا إلا جزءًا مما قبلها، فلو قلت قامَ زَيدٌ حتّى عمرٌ، لم يجز، لأنَّ عمرًا ليس بعضَ زيد. وأن يكون ما بعدها إمّا حقيرًا أو عظيمًا، فلا تقول: قام القومُ حتى زيدٌ إِلاّ وزيدٌ عظيمٌ أو حقيرٌ. فمثال العظيم: خرج الناسُ حتَّى الأميرُ، ومثال الحقير استَنتِ الفِصالُ حتّى القَرعَى. والقرعى هي التي أصابها القَرعُ وهو جُدريُّ الفِصال. وقولهم: كلُّ شيء يُحِبُّ ولدَهُ حتى الحُبَارَى لأنَّ الحُبَارى توصف بالحمق.

وأما الفاء ففيها خلاف. فمذهب البصريين أنّها للترتيب في كل موضع، والفراء موافق لهم في أنّها للترتيب إِلاّ في الفعلين الذين أحدهما سبب الآخر ويؤولان لمعنى واحد فإنها لا تكون عنده إذ ذاك مُرتَّبة. وذلك نحو قولك أعطيتَني فأحسَنت إليَّ، وأحسنَت إليَّ فأعطيتَنِي، يجوز أن يتقدم عنده الإِحسان على الإِعطاء وإن كانَ الإِحسانُ إنّما وقع بعد الإِعطاء، لأن الإِعطاء سبب الإِحسان، وهو إحسانٌ في المعنى.

وذهب الجَرمي أنّها للترتيب إِلاّ في الأماكن والمطر فإنَّه زعم أنّك تقول عفا موضعُ كذا فموضعُ كذا فكذا وإن كانت هذه الأماكنِ إنما عفت في وقتٍ واحدٍ. ونزل المطرُ مكانَ كذا فمكانَ كذا، وإن كان المطرُ إنما نزلَ في هذه الأماكن في وقتٍ واحد. وذهبت طائفة من الكوفيين إلى أن الفاء لا تُرتّب بمنزلة الواو.

والصحيح من ذلك كلّه القولُ الأول على ما نبين.

واستدل الفراء على صحة مذهبه بقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت