قال الأستاذ: فأما الواو فللجمع بين الشيئين من غير ترتيب ولا مهلة. فإذا قلت: قامَ زيدٌ وعمروٌ، احتمل الكلام ثلاثةُ معانِ، أعني أن يكون زيد قام قبل عمرو أو عمرو قام قبل زيد بمهلة أو غير مهلة، وأن يكونا قاما معًا.
وزعم بعض الكوفيين أنَّها للترتيب، فإذا قلت: قام زيدٌ وعمروٌ فالقائم أولًا ــــ على مذهبه ــــ زيد وعمرو بعده بلا مهلة. واستدلوا. بقوله تعالى: {إِذَا زُلْزِلَتِ الاْرْضُ زِلْزَالَهَا} {وَأَخْرَجَتِ الارْضُ أَثْقَالَهَا} (الزلزلة: 1، 2) قال: فزلزالُ الأرضِ قبلَ إخراجِها أثَقَالَها والواو هي التي دلَّت على ذلك.
قلت: وهذا عندنا خطأ، وإنّما فُهم أنَّ زلزالَ الأرضِ قبل إخراجها أثقالَها من طريق المعنى. والذي يدل على أنَّ الواو ليست بمنزلة الفاء أنّها لو كانت بمنزلتها لم يجز: اختصمَ زيدٌ وعمروٌ، كما لا يجوز اختصمَ زَيدٌ فعمروٌ. ومما يدلّ أيضًا على أن الواو لا تُرتّب قول أميّة بن أبي الصلت:
فَمِلَّتُنا أنّنا المسلمو
نَ على دينِ صدِّيقنا والنَبي
ولو كانت أيضًا للترتيب لقدم النبي صلى الله عليه وسلّمعلى الصِدِّيق لشرفه. وقول الآخر أيضًا، وهو حسان بن ثابت.
بهاليلُ منهم جَعفرٌ وابنُ أمِه
عليٌ ومنهم أحمدُ المُتَخَيَّر
ولو كانت للترتيب لقدَّم النبي صلى الله عليه وسلّمعلى جعفر وابن أمه. وقوله:
فَقلتُ لهُ لمّا تمطّى بِجَوْزِهِ
وأردف أعجازًا وناءَ بكلكَلِ
ولو كانت للترتيب لقدَّم الكلكل وهو الصدر ثم الجوز وهو الوسط ثم الأَعجاز وهي المؤخَّر، ومما يدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: {وَاسْجُدِى وَارْكَعِى} (آل عمران: 43) ولو كانت الواو مرتبة لقدم الركوع على السجود. فقد ثبت إذن ما ادعيناه أنّها لغير الترتيب.