فأَمْ في المسألة الأولى قد تقدَّمها الاستفهامُ وفي الثانية الخبرُ، ووقع بعدها في المسألتين جملةٌ، وتقدّر فيهما ببل والهمزة كأنّك قلت: بل أَعمرو قائمٌ، أَو بل أَبكرٌ مُنطلقٌ، وجوابها نَعَمْ أَو لا، أَلا ترى أَنَّ القائل: أَعمروٌ قائم؟ وأَبكرٌ منطلقٌ؟ أَنَّ جوابه نعم أو لا.
وسُمَّيتْ أم هذه المنفصلة لأنَّ ما بعدها كلام مستأنف منقطع ممّا قبلها، وليست بعاطفة، لأنَّ ما بعدها ليس مع ما قبلها كلامًا واحدًا بل كلام مستأنف منقطع، وحروف العطف ما بعدها مع ما قبلها كلام واحد.
والمتّصلة لا يتقدمها إِلاّ الهمزة ولا يقع بعدها إِلاَّ المفرد أَو ما هو في تقديره وتقدَّر مع الهمزة بأيْ. وجوابها أَحد الشيئين أَو الأشياء. ومثالها: أَقامَ زيدٌ أم عمرو فأَمْ هذه قد تقدَّمتها الهمزة ووقع بعدها عمرو وهو مفرد وتقدر مع الهمزة بأي كأنّهُ قال: أيّهما قام زيدٌ أم عمرو؟ جوابُها أَحدُ الشيئين (وهو زيدٌ أَو عمروٌ) أو الأشياء إن قلتَ: أَقامَ زيدٌ أَم عمروٌ أَم جعفرٌ أَم خالدٌ؟.
ومثال ما هو في تقدير المفرد بعدها: أَقامَ زيدٌ أم قَعَدَ؟ تريد أَيُّهما فَعَلَ، القيامَ أَم القعودَ؟ فوقع أَم قَعَدَ موضع القعود في المعنى، وهذه هي العاطفة لأنَّ ما بعدها مع ما قبلها كلام واحد ولم ترد الاستئناف كما أردت في الأول. فإن قال قائل: فكيف قال ذو الرمة:
تقول عجوزٌ مدرجي مُتَرَوِّجًا
على بابها من عند أهلي وغاديا
أذو زَوجةٍ في المصر أم ذو خصومةٍ
أراكَ لها بالبصرةِ العام ثاوِيا
فقلت لها: لا إِنَّ أَهلي جِيرةٌ
لأكِثَبةِ الدَهنا جَمعيًا ومالِيا
فأجاب أم من قوله: أذو زوجةٍ أم ذو خصومةٍ وهي المتصلّة بقوله: لا، وهي متصلة، ألا ترى أَنّها قد تقدمها همزة الاستفهام وما بعدها مفرد؟