والطريق الثاني: أن يريد بالفعل الأول ما أردت بالثاني، وهو اللفظ الذي هو أحد أقسام الكلام، ويكون معنى قوله: اسم الفعل، الاسم الذي أخذ منه، كما تقول: هذا تراب الآنية الذي صيغت منه، فلا يكون الفعل على أنه مسمى للمصدر وهو أَولى، بدليل قوله في باب ما تتعدى إليه الأفعال المتعدية وغير المتعدية: واعلم أن أقوى تعدّي الفعل إلى المصدر لأنه اسمه يريد لأن المصدر الاسم الذي أخذ منه الفعل، فينبغي أن يفسر كلامه بكلامه.
وهذه المسألة خلافية بين أهل البصرة وأهل الكوفة.
فمذهب أهل الكوفة أن المصدر مشتق من الفعل واستدلوا على ذلك بأن الفعل عامل في المصدر، لأنه به انتصب والعامل قبل المعمول والبعدي مأخوذ من القبلي.
ولا حجة في ذلك لأن العامل إنما هو قبل عمله لا قبل معموله. وعمله إنما هو النصب، وإذا كان الفعل قبل النصب الذي في المصدر لم يلزم أن يكون قبل المصدر، وأيضًا فإن العمل إنما حصل في المصدر بعد التركيب ونحن إنَّما ندعي أن الفعل مأخوذ من المصدر قبل التركيب.
واستدلوا أيضًا بأنَّ المصدر مؤكّد للفعل والفعل مؤكد، بدليل أنك إذا قلت: قمت قيامًا، لم يكن في قيام زيادة فائدة والمؤكد قبل المؤكد.
وذلك أيضًا فاسد، لأن التأكيد إنما طرأ بعد التركيب، وهذه الأفعال إنما اشتقت منها قبل ذلك. وأيضًا فإن المصادر لا يلزمها أن تكون مؤكدة بل إنما يكون ذلك فيها إذا انتصبت بعد أفعالها.
واستدلوا أيضًا بأن المصدر يعتلّ باعتلال الفعل ويصح بصحته نحو: قيام اعتلت فقلبت واوه ياء والأصل: قوام، كما اعتل «قام» وصح اجتوار لصحة أجتور، والفروع أبدا هي المحمولة على الأصول.
ولا حجة في ذلك، لأنَّ الأصل قد يحمل على الفرع فيما هو أصل في الفرع وفرع في الأصل، ألا ترى أنّ الأسماء تحمل على الحروف فتُبنَى وإن كانت الأسماء قبلها، لأنَّ البناء أصل في الحروف فكذلك المصادر حملت على الأفعال وإن كان المصدر قبله، لأنَّ الاعتلال أصل في الفعل.