وهذا فاسد لأنّه دعوى لا دليل عليها، ولو كان كما ذهب إليه لسمع في موضع من المواضع: نصحتُ لزيدٍ رأيهُ، فتوصل نصحت إلى منصوب بعد المجرور فإذا لم يسمع ذلك دليل على فساده.
والذي يتعدى إلى اثنين ينقسم إلى قسمين: قسمٌ يتعدّى إلى مفعولين بنفسه وقسم يتعدى إلى مفعولين أحدهما بنفسه والآخر بحرف جر. فالذي يتعدى إلى اثنين بنفسه ينقسم قسمين: قسم يجوزُ فيه الاقتصار على أحد المفعولين وقسم لا يجوز فيه ذلك، فالذي لا يجوز فيه الاقتصار على أحد المفعولين هو ظَنَنْتُ، إن لم تكن بمعنى اتهمت، وعلمتُ إذا لم تكن بمعنى عرفتُ. وحسبتُ وزَعمتُ وخلتُ ورأيتُ، إذا كان بمعنى ظننتُ أو بمعنى علمتُ، ووجدتُ بمعنى علمتُ، وأعلمتُ وأريتُ وأنبأتُ وأخبرتُ وخبّرتُ وحدَّثتُ. إذا كان بمعنى أعلمتُ.
وزاد بعضُ النحويين في هذه الأفعال: هب بمعنى ظنَّ، وألفى بمعنى وَجَد، وعَدَّ بمعنى حَسِب نحو: هَبْ زيدًا شجاعًا، وألفيتُ زيدًا ضاحكًا وعددت زيدًا عالمًا. ولا حجة في شيء من ذلك لأن شجاعًا وضاحكًا وعالمًا أحوال والدليل على ذلك التزام التنكير فيها، لا تقول: هَبْ زيدًا الشُجاعَ، ولا ألفيتُ زيدًا الضحّاك ولا عددتُ زيدًا العالِمَ. فأما قوله:
تعدُّونَ عَقَر النِيبِ أفضَلَ مجدكم
بني ضَوْطَرى لولا الكَمِيَّ المُقَنعا
فأفضلُ مجدكم نعت لعقر النِيب. وعدَّ بمعنى حسِبَ كأنه قال: تحسبون عَقْرَ النِيبِ الذي هو أفضلُ مجدِكم، ممّا تفخرونَ به.
وأما سمعتُ فلا يخلو أن يكون الواقع بعدها مما يُسمع أو من قبيل ما لا يُسمَع، فإن كان من قبيل المسموعات تعدَّت إلى واحدٍ باتفاق نحو: سمعتُ كلامَ زيدٍ وسمعتُ قراءةَ بكرٍ، وإن كان من قبيل ما لا يُسمع نحو: سَمِعتُ زيدًا يتكلّم، ففي ذلك خلافٌ بين النحويين.