فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 831

فمنهم من جعلها مما يتعدّى إلى اثنين كظنَنتُ، وحجته أنَّ سمِعتُ لما دخلتْ على ما لا يُسمع أتيتَ لها بمفعُولٍ ثانٍ يُعطِي معنى المسموع، كما أنَّ ظننتُ لما دخلت على زيد وهو غير مظنون في المعنى أتيتَ بعد ذلك بمفعولٍ ثانٍ يُعطي معنى المظنون فقلت: ظننتُ زيدًا منطلقًا.

على هذا يكون «يتكلّم» من قولك: سمعتُ زيدًا يتكلّم في موضع مفعول ثان لسَمِعتُ. ومنهم مع جعلها متعدّية إلى مفعولٍ واحدٍ، فإذا قلت: سمعتُ زيدًا يتكلّم، فإنَّ زيدًا مفعولٌ لِسَمِعتُ، على تقدير حذف مضاف كأنّك قلت: سمعتُ صوتَ زيدٍ يتكلّم، ويكون في موضع الحال، أي سمعتُ صوتَ زيدٍ في حال أنَّ زيدًا يتكلّم، وتكون هذه الحال مبيّنة لأنّه قد سمع صوتَه في حال أنّه يصيح أو يقرأ أو غير ذلك، ويكون حذف المضاف لفهم المعنى إذ معلوم أن زيدًا في نفسه لا يسمع فيكون نحو قوله تعالى: {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ} (الشعراء: 72) . ألا ترى أن المعنى، هل يسمعون دعاءكم؟ فحذف الدعاء لدلالة قوله: إذ تدعون عليه. وهذا المذهبُ أولى، لأنَّ سمع من أفعال الحواس، وهي كلُّها متعدّيةٌ إلى مفعول واحدٍ، تقول: ذُقتُ طَعامك، وشممتُ طِيبًا، ولَمَستُ حريرًا، وأبصَرتُ زيدًا، فينبغي أن تكون «سمِعتُ» مثلها.

وأيضًا فإنّها لو كانت مما يتعدى إلى مفعولين لم تخل أن تكون من باب أعطيت أو من باب ظَننت، فباطلٌ أن تكون من باب أعطيت لأنَّ «يتكلم فعل» والفعل لا يكون في موضع المفعول الثاني من باب أعطيت وأمثاله.

وباطلٌ أن يكون من باب ظننت، لأنَّ ظننت وأخواتها يجوز إلغاؤها ولا يجوز إلغاء سمعت، وأيضًا تقول: سمعت زيدًا، ولا يجوز ذلك في باب ظننت، فثبت أنّها مما يتعدّى إلى واحد، فأما قوله:

سَمِعت الناسُ يَنتَجِعونَ غَيثًا

فقُلتُ لصَيْدَحَ (انتَجِعِي بِلالا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت