فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 831

فأما الأخفش فحجته أنَّ هذه الأفعال قد تجري مجرى القسم ومفعولاتها مجرى جواب القسم. والدليل على ذلك أنَّ العرب تتلقاها بما تتلقى به القسم. قال الله تعالى: {وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مّن مَّحِيصٍ} (فصلت: 48) . فأجرى ظنَّ مجرى واللَّهِ، كأنّه قال: واللَّهِ ما لهم من مَحيصٍ. ومثل ذلك كثير. فكما لا يبقى القَسَمُ دونَ جوابٍ فكذلك لا تستَغنِي هذه الأفعال عن مفعولاتها.

وهذا لا حُجَّة فيه، لأن العرب لا تُضمِّنُها معنى القسم على اللزوم، فإذا امتنع حذف مفعولها إذا دخلها معنى القسم لما ذكره فما الذي يمنع من حذفها إذا لم تتضمّن معنى القَسمَ؟

وأما الأعلم ومن أَخَذَ بمذهبه فحجّتهم أنَّ كلَّ كلام مبني على الفائدة. فإذا لم توجد فائدة لم يجز التكلُّم به، قال: فإذا قلت: ظَننتُ، كان مُفيدًا لأنَّ الإنسان قد يخلو من الظن فيفيدنا بقوله: ظَنَنتُ، أنّه قد وقع منه ظنٌّ، وإذا قلت: علِمتُ، كان غير مفيد لأنّهُ معلوم أنَّ الإنسانَ لا يخلو من عِلمٍ إذ له أشياء يعلمها بالضرورة، كعِلمِه أنَّ الاثنين أكثر من الواحد.

وهذا الذي ذهب إليه فاسد، بل الصحيح أنه يجوز: عَلِمتُ، وتحذف المفعولين حذفَ اقتصار لأن الكلام إذا أمكن حملهُ على ما فيه فائدة كان أولى. فإذا قال قائل: علمتُ، علِمنا أنّه أراد أنّه وقع منه علم ما لم يكن يعلم إذ حمله على غير ذلك غير مفيد.

والصحيح أنه يجوز حذف المفعولين في علِمتُ وظنَنت وما في معناهما. وقد جاء ذلك في كلامهم، حكى سيبويه أنّهم يقولون: مَنْ يسمع يَخَل معناه: أي يقع منه خَيْلَةٌ، وقال تعالى: {فأَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى} (النجم: 35) أي يعلم. وليس في الكتاب جلاءٌ عن مذهب سيبويه.

وأما حذف أحدهما فلا يخلو أن يكون اختصارًا أو اقتصارًا، فأما الاختصار فجائز قليل، فمن ذلك قوله:

ولقد نَزَلت فلا تظُنّي غيرَه

مِنِّي بمنزلَةِ المُحَبّ المُكَرمِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت