وهذا الاعتراض فاسد، لأنّي لم أُرد بالتغيير أحوال الآخر من رفع إلى نصب أو إلى خفض بل اختلافهما من الوقف إلى الحركة أو من الحركة إلى السكون أو الحذف في الجزم، ألا ترى أنَّ الإعراب إنما دخل في الاسم بسبب العامل، وقد كان الاسم قبل دخول العوامل عليه موقوفًا غير معرب؟ وكذلك الفعل، ألا ترى أنَّ أسماء العدد مثل: واحد، اثنان، ثلاثة إذا لم ترد الإخبار عنها بل مجرد العدد ولم تعطف بعضها على بعض، بل أردت بها مجرد العدد كانت موقوفة؟ وكلّ معرب (إذن بتغيّر الآخر من الوقف فإن قيل: يلزم من اشتراط كون التغيّر في الآخر لاختلاف العوامل أن يكون كلّ معرب من اسم أو فعل تختلف عليه العوامل، «وسبحانَ» ، لا تختلف عليهِ العوامل، ألا ترى أَنَّه أَبدًا منصوب بإضمار فعل كأَنَك قلت: سَبّحتُ الله سُبحانًا، أي نزهتُهُ تنزيهًا؟ فالجواب: إنَّ الذي أردت بقولي: لاختلاف العوامل، أَن الإِعراب لم يدخل في الكلم كلها لعامل واحد، بل لعوامل مختلفة، فكأني قلت: تغير أواخر الكلم لعوامل مختلفة.
ويمكن أن يكون النحويّون سمَّوا هذا النوع من التغيير إعرابًا إمّا لمجرد كونه تغيرًا أو لما يقع به من تبين المعاني، ألا ترى أن هذا التغيير هو الفاصل بين معاني الأسماء من الفاعلية والمفعولية إلى غير ذلك من المعاني أو لما يقع به من التحسين: لأن زوال اللبس عن الكلم تحسين لها، إذ الإعراب لغةً يقع على هذه المعاني الثلاثة كما قدمناه، فيكون منقولًا من واحد منها.