فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 831

وهذا الذي استدلَّ به لا حجة فيه. أما قوله تعالى: {أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ} فخبره محذوف لدلالة ما تقدم عليه وهو قوله تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} (فاطر: 7) . فكأنه في التقدير: أفمن زُيِّن له سوءُ عمله فلهُ عذابٌ شديدٌ أمّا مَنْ آمن وعَمِلَ صالحًا فلهُ مغفرةٌ وأجرٌ كبير، فحذف لفهم المعنى، ومثل ذلك في القرآن كثير. وأما قوله تعالى: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} ، فجملة اعتراض وما بعده هو الخبر، لكن ينبغي أن يجوز مثل هذا الذي ذهب إليه أبو الحسن من الاستغناء عن الضمير باسم ظاهر هو المبتدأ في المعنى كما جاز ذلك في الصلة، فقد حُكيَ من كلامهم: أبو سعيدٍ الذي رويتُ عَنْ الخُدْريُّ. والمعنى عنه، ومنه: الحَجّاجُ الذي رأيتُ ابنُ يُوسفَ، أي الذي رأيتُهُ، ومنه قوله:

فيا رَبَّ ليلى أَنتَ في كلِّ موطنٍ

وأنتَ الذي في رحمةِ اللَّهِ أطمعُ

أي في رحمته، إلاّ أنَّ ذلك قليلٌ جدًا.

وذهب بعض النحويين إلى أنَّ هذه الجملة الواقعة موقع خبر المبتدأ يشترط فيها أن تكون محتملة للصدق والكذب، فإذا وجد في كلامهم نحو: زيد اضربْهُ، وزيدٌ لا تضرِبْهُ، حملة على إضمار القول، تقديره: زيدٌ أقولُ لكَ اضرِبْهُ، أو أقول لك لا تضربه، وإلى هذا ذهب أبو بكر بن السراج. والذي حمله على ذلك أنَّ الجملة خبر للمبتدأ، وحقيقة الخبر ما احتمل الصدق والكذب. وذلك فاسد، لأنّا قد أجمعنا على أن خبر المبتدأ يكون مفردًا وإن لم يحتمل الصدق والكذب، فكذلك يسوغ في الجمل التي لا تحتمل الصدق والكذب أن تقع إخبارًا للمبتدأ كما وقع المفرد ولا يحتاج إلى تكلّف إضمار القول، فالخبر إذن لفظ يقال بالاشتراك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت