فهرس الكتاب

الصفحة 230 من 831

واحتج صاحب هذا المذهب بأنَّ الفعل الذي يقع خبرًا إذا كان ماضيًا لم يحتج معه إلى كان وأخواتها، لأنها إنّما دخلت على الجملة لتدلّ على الزمان فإذا كان الخبر يُعطي الزمانَ لم يُحتج إليها، وكان ذكرها فضلًا، ألا ترى أنك إذا قلت: زيدٌ قامَ، كان المفهوم منه ومن: كانَ زيدٌ قامَ واحدًا، فإن جاء شيء من ذلك فهو عنده على إضمار قد، لأنها تقرّب الماضي من الحال، فإذا قلت: كانَ زيدٌ قد قامَ، فكأنّك قلت: كانَ زيدٌ يقومُ.

والصحيح عندي أنَّ هذه الأفعال تنقسم ثلاثة أقسام، قسم يجوز ذلك فيه باتفاق وهو ليس. وقسم يمتنع فيه وهو ما زال وما انفك وما فتئ وما برح وما دام. وذلك أنَّ هذه الأفعال تعطي الدوام على الفعل واتصاله بزمن الإخبار والأفعالُ الماضية تعطي الانقطاع فتدافعها. وكذلك جاءَ وقَعَدَ لأنّهما لا يستعملانِ إلا حيث سُمِعا لأنّهما جريا مجرى المثل.

وما بقي فيه خلاف، فمنهم من منع لما ذكرنا ومنهم من أجاز.

حجة المجيز أنك إذا قلت: أصبحَ زيدٌ قامَ وأمسى زيدٌ خرجَ أعطى من المعنى ما لم يُعطِ زيدٌ قامَ وزيدٌ خرجَ، ألا ترى أنَّ قام وخرج لا يعطيان أكثر من المضي وأمسى وأصبح يعطيان المضي مع أنَّ ذلك في مساءٍ وصباح وكذلك سائر أخواتها إلا كان فإنها لا تعطي معنى زائدًا أكثر من التأكيد. k والتأكيد في كلامهم كثير، وهو أولى من إضمار حروف المعاني لقلّة ذلك في كلامهم.

وأيضًا فإنَّ ذلك قد كثر في كلامهم نثرًا ونظمًا، قال الشاعر:

وكّنا حَسِبناهُم فوارس كهمس

حيوا بعدما ماتوا من الدهر أعصرا

فجعل حسِبناهُم في موضع خبر كنّا. وقال زهير:

وكانَ طَوى كشحًا على مُستَكِنّةٍ

فلا هو أبداها ولم يَتَجَمْجَمِ

فجعل طوى خبرًا لكان. وقال النابغة:

أمست خلاءً وأمسى أهلُها احتملوا

أخنى عليها الذي أخنى على لُبَدِ

فجعل احتملوا خبرًا لأمسى، وقال:

وكُنّا ورِثناه على عهَدِ تُبّعٍ

طويلًا سَوارِيهِ شديدًا دعائِمُهْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت