فإن قيل: فلعل لنا في موضع الصفة لجيران، وكانوا جملة من فعل وفاعل في موضع الصفة لجيران، وتكون لنا على هذا في موضعها ولا تحتاج إلى ما ذكر من التكلف. فالجواب: إنَّ كان إذا كانت تامة تكون بمعنى حدَثَ فإذا قلت: كانَ عبدُ اللَّهِ، فالمعنى على هذا: خُلقَ عبدُ الله، وحدَثَ عبدُ الله فيكون معنى كانوا على هذا خلقوا وحدَثوا فيما مضى وذلك معلوم، فتكون هذه الجملة فضلًا لا معنى لها، وإذا كان الإخلال يحتمل أن يكون في جانب اللفظ أو في جانب المعنى قدّر في جانب اللفظ لأنَّ المعنى أعظم حرمة من اللفظ، لأن اللفظ إنّما هو خديمُ المعنى ولأنّه إنّما أتي به من أجله.
والناقصة: تنقسم قسمين: فأحدهما أن تدخل على المبتدأ والخبر فيبقيا على إعرابهما ويكون في كان إذ ذاك ضمير الأمر والشأن أو القصة، وتكون الجملة في موضع الخبر وذلك نحو: كان زيدٌ قائمٌ، فاسم كان ضمير الأمر والشأن، وزيدٌ قائمٌ في موضع الخبر، وتقول: كانت هندٌ قائمةٌ، إذا جعلت الضمير للقصة، فكأنك قلت: كانت القصةُ هندٌ قائمةٌ وكذلك كانت زيدٌ قائمٌ. هذا مذهب أهل البصرة، أعني أنه يجوز أن يجعل الضمير للأمر فلا تلحق علامة التأنيث أو للقصة فتلحق علامة التأنيث كان المخبر عنه مذكرًا أو مؤنثًا.
وزعم أهل الكوفة أنَّ المخبر عنه إذا كان مذكرًا فالضميرُ ضميرُ أمرٍ، وإن كان مؤنثًا فالضمير ضمير قصة، فتقول: كان زيدٌ قائمٌ، وكانت هند قائمة للمشاكلة، ولا يقال عندهم: كانت زيدٌ قائمٌ، وكان هندٌ قائمةٌ.
وهذا الذي منعوه جائز في القياس، وقد ورد به السماع أيضًا، وذلك في قراءة من قرأ: {أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ ءايَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِى إِسْرءيلَ} (الشعراء: 197) . ألا ترى أنَّ آية خبر مقدم لـ «أن يعلمه» وأن يعلمه في موضع اسم مبتدأ وهو مذكر، والضمير في تكن ضمير قصة.