فلم يبقَ إلاّ أن ترفع أحدهما وتنصب الآخر.
فإن قيل: فلِمَ كان المنصوب الاسمَ والمرفوعُ الخبرَ، وهلا كان الأمر بالعكس؟ فالجواب: إنّه لمّا وجب رفعُ أحدهما تشبيهًا بالعمدة ونصبُ أحدهما تشبيهًا بالفضلة كان أشبههما بالعمدة الخبرَ، لأنَّ هذه الحروف إنّما دخلت لتوكيد الخبر أو تمنِّيه أو ترجِّيه أو التشبيه به، فصارت الأسماء كأَنَّها غير مقصودة، فلما رفع الخبر تشبيهًا بالعمدة نصب الاسم تشبيهًا بالفضلات.
وزعم بعض النحويين أَنَّه يجوز فيها أن تنصب الاسم والخبر معًا، وممن ذهب إلى ذلك ابن سَلاّم في طبقات الشعراء له، وزعم أنّها لغة واستدل على ذلك بقوله عمر بن أبي ربيعة:
إذا اسود جُنحُ الليل فَلْتأتِ ولتَكُنْ
خُطاكَ خِفافًا إنَّ حُرّاسَنا أُسدا
فنصب الحُرّاس والأُسد بإنَّ. وكذلك قول الآخر:
إنَّ العجوزَ خبّةً جَروزا
تأكل كلَّ ليلةٍ قَفِيزا
فنصب «بإنَّ» العجوزَ خَبّةً جروزا، وكذلك قول أبي نُخَيلة العُماني:
كأَنَّ أُذنيهِ إذا تشوَّفا
قادِمةً أو قَلمًا مُحرَّفا
وزعم الفراء أنَّ ذلك كلّه لا يجوز إلاّ في ليت، واستدلَّ على ذلك بقوله:
يا ليتَ أيّامَ الصِبا رواجِعا
فنصب أيّام الصِبا ورواجعا بليت. ولا حجة في شيء من ذلك عندنا.
أما قوله: إنَّ حُراسنا أُسدًا، فيكون الخبر محذوفًا والتقدير: تجِدهُم أُسدًا، أو تلقاهم أُسدًا، وكذلك قوله:
.يا ليتَ أيّامَ الصِبا رواجِعا
كأنّه قال: أقبَلتْ رواجِعا، وخبر هذه الحروف يجوز حذفه إذا فُهم المعنى على تفصيل في ذلك يذكر بعد إن شاء الله تعالى، وممّا حُذف خبره قوله:
فلو كنتَ صَبيًّا عرفتَ قرابَتِي
ولكن زِنجيًّا عَظيمَ المشافِرِ
التقدير: لا يعرف قرابتي، لدلالة ما تقدم عليه.
وأما قول أبي نخيلة فإنَّ الأصمعي وأبا عمرو لحّناه بحضرة الرشيد، ولولا أنه غير فصيح لما جاز لهما ذلك.
وأما قول الآخر:
إنَّ العجوز خبّةً جروزا
فانتصاب «خبّةً وجروزا» على الذم، والخبر تأكل.