والجواب: إنَّ هذا ــــ لو لم يكن فيه تأويل يحمل على ظاهره ويكون من قلب الإعراب ــــ ضرورة ولا يقاس عليه الكلام. لكنه قد يتخرج ذلك عندنا على أن يكون الخبر محذوفًا لفهم المعنى، فكأنه قال: فإنَّ أخاك مكلّفٌ بحبِّها، ولكنه حذف مكلّف من غير أن يُنيب منابه المجرور، لأنه في باب الابتداء قد تقدم أنه لا يجوز إنابة المجرور مناب المحذوف حتى يكون حرف الجر مناسبًا للمحذوف ويكون الدال على كِلف قوله بعد: مصابُ القَلبِ، وما تقدم في القصيدة ممّا يدلّ على أَنّه كَلِفَ بها إذْ فَهْمُ الخَبرِ إذا فُهِمَ المعنى جائزٌ.
ويجوز حذف أسماء هذه الحروف في فصيح الكلام إذا كان في الكلام ما يدلّ عليها نحو قوله:
فلو كنت ضبيًّا عرفتَ قَرابتي
ولكنَّ زنجيٌّ عظيمُ المشافِرِ
يريد: ولكنّك زنجيٌّ، فحذف الاسم. ومن ذلك قوله:
فليتَ دفعتِ الهَمَّ عَنِّي ساعةً
فَبتنا على ما حَيّلَتْ ناعمي بالِ
يريد: فليتَكِ دفعت الهَمَّ. إلاَّ أن يكون الاسم ضمير أمرٍ أو شأنٍ فإنّه لا يجوز حذفه إلاَّ في ضرورة الشعر نحو قوله:
إنَّ مَنْ يَدخلِ الكنيسةَ يومًا
يلقَ فيها جَآذِرًا وظِباءَ
يريد: إنّه مَنْ يدخلْ الكنيسةَ. وكذلك قوله:
إنَّ من لامَ في بَنِي بنتِ حسّا
نَ أَلُمْهُ وأعصِهِ في الخُطوبِ
يريد إنّه من لام في بني بنت حسان.
وإنّما لم يُحذَف اسم هذه الحروف إذا كان ضميرَ أمرٍ أو شأن إلاَّ في ضرورة لأنَّ الجملة الواقعة خبرًا لضمير الأمر والشأن هي مفسّرة له فقبح حذفه وإبقاء الجملة كما يقبح حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه إذا كانت الصفة جملة.
وكذلك يجوز حذف الخبر إذا فُهم المعنى، وعلى ذلك قوله:
فلو كنتَ ضَبيًّا عرفتَ قَرابَتِي
ولكنَّ زنجيًّا عظيمَ المَشَافِرِ
في رواية من نصب الزنجي، كأنَّه قال: ولكنَّ زنجيًّا عظيمَ المشافِرِ لا يعرف قرابتي، فحذف لفهم المعنى، ومثله قوله:
وما كنتُ ضفّاطًا ولكنَّ طالبًا
أَنَاخَ وأقرَى فوقَ ظَهرِ سَبِيلِ