فكأَنَّه قال: ولكنَّ طالبًا مُنِيخًا كنتُ.
وأكثر ما يكون حذف الخبر إذا كان الاسم نكرة نحو قوله:
إنَّ محلاًّ وإنَّ مرتحلا
وإنَّ في السَفْر إذ مَضَوْا مَهَلا
يريد: إنَّ لنا محلاًّ، وحُكي من كلامهم: إنَّ إبلًا وإن شاءً.
وإنما كثر حذف الخبر إذا كان الاسم نكرة لأنَّ الخبر إذ ذاك إنّما يكون ظرفًا أو مجرورًا مقدَّرًا قبل الاسم. ولولا ذلك لم يجز الإخبار عن النكرة، إذ لا مسوغ لذلك، فلما لزم أن يكون الخبر ظرفًا أو مجرورًا سهل حذفه لأنَّ العرب قد اتسعت في الظروف والمجرورات ما لم تتسع في غيرها، وقد تقدَّم ذكر السبب في ذلك.
وزعم أهل الكوفة أَنَّ أحسن ما يكون حذف الخبر إذا كان الموضع موضع تفصيل نحو قولهم: إنَّ الزَبابَة وإنَّ الفأرة، يريدون: إنَّ الزَبابة خلافُ الفأرةِ وإنَّ الفأرةَ خلافُ الزَبابَةِ. والزبابةُ نوعٌ من الفأرة وهي صَمّاء قال الشاعر:
وهم زبابٌ حائرٌ
لا تسمع الآذانُ رَعْدا
وإنّما حسن الحذف عندهم لقوة الدلالة على الخبر المحذوف بالتفصيل.
وهذا لا حجة فيه، لأنَّ الحذف لا يكون إلاَّ بعد وجود دليل على المحذوف كان الموضع موضع تفصيل أو لم يكن. وإنّما ينبغي أن يُحسن الحذف حيث يكون الخبر ظرفًا أو مجرورًا كما تقدم.
وأما حذف الاسم والخبر فلا يجوز إلا في أنَّ نحو قول ابن الزبير: إنَّ وصاحِبَها، في جواب من قال له: لعنَ اللَّهُ ناقةً حَمَلتني إليكَ. وفي ذلك خلاف بين النحويين فمنهم من ذهب إلى أنّها بمعنى نَعم كأنّه قال: نعم وراكبها. ومنهم من ذهب إلى أنَّ الاسم والخبر محذوفان لفهم المعنى. وهذا أولى عندي، لأنّه قد تقرر أنها تنصب الاسم وترفع الخبر ولم يستقر فيها أن تكون بمعنى نعم. فإن قيل: فحذفُ الجملةِ حتى لا يبقى منها إلاَّ حرفٌ واحدٌ وهو «إنَّ» إخلال بها. فالجواب: إنَّ العرب قد فعلت ذلك نحو قوله:
قالت بناتُ العَمَّ يا سَلمى وإنْ
كان عَيِيًّا مُعدَمًا قالت وإن