ألا ترى أن فعل الشرط وجوابه محذوفان لفهم المعنى. فإنَّ التقدير: وإن كان عييًا معدمًا ولكن تمنيته، ولم يبق في الجملة إلا حرف الشرط. ومثل ذلك:
أفِدَ التَرحّلُ غيرَ أنَّ رِكابَنا
لَمّا تَزُلْ برحالِنا وكأنْ قَدِ
يريد وكأن قد زالت، فحذف لفهم المعنى.
ومن كلامهم: قاربتُ المدينةَ ولمّا، أي ولمّا أدخلها. وأما قوله تعالى: {إِنْ هَذنِ لَسَاحِرنِ} (طه: 63) . فلا ينبغي أن تجعل فيه إنَّ بمعنى نعم ويكون هذانِ مبتدأ وساحران خبره واللام زائدة في الخبر، لأنّه كما تقدَّم لم تثبت إنَّ بمعنى نَعَمْ، وأيضًا فإنَّ اللام لا تزاد في الخبر إلاَّ في ضرورة شعر نحو قوله:
أُمُّ الحُلَيْسِ لَعجُوزٌ شَهرَبَهْ
ترضَى من اللحم بعظم الرَقبهْ
أو في نادر كلام كقراءة من قرأ: {إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} (الفرقان: 20) بفتح همزة إنَّ فإذا أمكن أن يحمل على أحسن من هذا كان أولى.
وكذلك لا ينبغي أن تجعل اللام في هذا الوجه داخلة على مبتدأ محذوف ويكون التقدير إذ ذاك: إنَّ هذانِ لهما ساحرانِ، فتكون الجملة من قوله لهما في موضع خبر المبتدأ الذي هو هذان، وإنَّ بمعنى نَعَمْ، لأنَّ في هذا الوجه أيضًا إثباتَ إنَّ بمعنى نَعَمْ، وذلك لم يستقر. وحذف المبتدأ وإدخال لام التأكيد، وذلك غير جائز، لأن التأكيد من موضع الإطالة والإسهاب، فيناقضه الحذف والاختصار.
وكذلك لا ينبغي أن يحمل على أن يكون اسم إنَّ ضمير الأمر والشأن محذوفًا ويكون هذان مبتدأ وساحران خبره وتكون اللام زائدة في الخبر والجملة في موضع خبر إنَّ، لأنَّ في ذلك شيئين بابهما أن لا يجوزا إلاَّ في الضرورة، وهما حذف اسم إنَّ وهو ضمير الأمر والشأن، والآخر: زيادة اللام في الخبر. وكذلك أيضًا لا يجوز في هذا الوجه جعل اللام داخلة على مبتدأ محذوف لما في ذلك من المناقضة بين الحذف والتأكيد، وقد تقدم ذلك.