وهذا البيت لا حجّةَ فيه لاحتمال أن تكون كأنَّه فيه للتشبيه، وذلك أنَّ هشامًا وإن كان قد مات فجسده في الأرض، فكان ينبغي لبطن مكة بسبب ذلك أن لا يتغيّر، فلما تغيّر بطن مكة واقشعرَّ صارت الأرض كأنَّ هشامًا ليس بها.
وزعم أبو الحسن بن الطراوةَ أَنَّ كأَنَّ تكون بمعنى ظننت، واستدلَّ على ذلك بأنّك تقول: كأنَّ زيدًا قائمٌ، والقائم هو زيد والشيء لا يشبّه بنفسه. فالجواب عن ذلك أنَّ الشيء قد يشبه في حال ما بنفسه في حال أخرى فتكون إذا قلت: كأنَّ زيدًا قائم، مُشبِّهًا لزيدٍ غيرَ قائم به قائمًا، أو يكون قائمًا غير زيد ويكون في الكلام حذف كأنك قلت: كأنَّ هيأة زيدٍ قائم.
وزعم بعض النحويين أنّها تكون تقريبًا وذلك في نحو: كأنّك بالشتاءِ مقبلٌ، وكأنَّك بالفَرَجِ آتٍ. ألا ترى أنَّ المعنى على تقريب الشتاء، وتقريب إتيان الفرج، ولا يتصوَّر التشبيه إذ لا يتصوَّر أن يشبّه المخاطب الشتاء ولا بالفرج إذ ليس المقصود ذلك.
والصحيح عندي أنَّ كأنَّ للتشبيه فكأنَّك أردت أن تقول: كأنَّ الفرجَ آتٍ، وكأنَّ الشتاء مقبلٌ، إلاَّ أنّك أردت أن تدخل الكاف للخطاب وألغيت كأن لزوال اختصاصها بالجملة الاسمية لمّا لحقها اسم الخطاب كما أُلغِيتْ لمّا لحقها «ما» في نحو كأنَّما، لزوال الاختصاص، وكذلك تلغى إذا لحقها ضمير المتكلم في نحو: كأنّي بكَ تفعلُ، ألا ترى أنّها إذ ذاك تدخل على الجملة الفعلية التي هي تفعل.
والباء في بالشتاء مقبل، زائدة وكأنه قال: كأنّك الشتاءُ مقبلٌ، أراد أن يقول: كأنَّ الشتاء مقبلٌ، فألحق الكاف للخطاب وألغى كأنَّ وزاد الباء في المبتدأ كما زيدت في بِحسبِكَ زيدٌ.