وأما من زعم أنَّ ذلك على حذف مضاف والتقدير: كأنَّ زمانَكَ مُقبِلٌ بالشتاءِ، وذلك أنّه لما كان الشتاء قريب الوقوع جعل الزمان الحاضر في وقت الخطاب كأنّه مقبل به، فمذهبه باطل لأنَّ ذلك لا يطرد في كل موضع. ألا ترى أنَّ ذلك لا يتصوَّر في مثل: كأنّي بك تفعل كذا، ألا ترى أنّه لا يتصوَّر أن تقول: كأنَّ زماني بك تفعل كذا. فتقرَّر إذن أنَّها للتشبيه.
وهي عند النحويين مركبة من إنَّ وكاف التشبيه. وذلك أن الأصل: إن زيدًا كقائم، فاعتنى بحرف التشبيه وقدم على أنَّ، فلمّا خرجت عن الصدر فُتِحَت فصار: كأنَّ زيدًا قائمٌ. ولا يتصور أن تكون الكاف دخلت على أنَّ المفتوحة، لأنَّ المفتوحة مع صلتها بتقدير المصدر وليس كذلك: كأنَّ زيدًا قائم.
والذي حمل على ادعاء التركيب فيها أنّه قد تقرر التشبيه بالكاف في نحو: زيدٌ كعمروٍ لم يتقرر بأن، وإذا أمكن أن يكون التشبيه بالحرف الذي تقرر ذلك فيه كان أولى.
وينبغي أن تعلم أنه لا يخلو أن تعطف في هذا الباب على الاسم أو على الخبر. فإن عطفتَ على الخبر كان المعطوف على حسب المعطوف عليه في الرفع نحو: إنَّ زيدًا قائمٌ وضاحكٌ، وكأنَّ زيدًا قاعدٌ وضاحكٌ.
وإن عطفتَ على الاسم فلا يخلو أن تعطف قبل الخبر أو بعده، فإن عطفت قبل الخبر فالنصب ليس إلاَّ، تقول: إنَّ زيدًا وعمرًا قائمان وكذلك سائر أخوات إنَّ إلاَّ فيما شذَّ من ذلك فسمع فيه الرفع على الموضع، فإنَّه يحفظ ولا يقاس عليه.
والذي سُمع من ذلك: إنّك وعمروٌ ذاهبان. فأمّا قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّبِئُونَ} (المائدة: 69) الآية. فإنَّ من الناس من جعله من قبيل إنّكَ وزيدٌ ذاهبانِ. فيكون قوله: والصابئون، معطوفًا على موضع اسم إنَّ قبل دخولها فيكون من قبيل ما حُمِل فيه على المعنى قبل تمام الكلام، ويكون قوله تعالى: {مَنْ ءامَنَ مِنْهُم} إلى آخر الآية جملة من شرط وجزاء وفي موضع خبر إنَّ.