وإذا كان كل واحد من المذهبين يؤدي إلى الخروج عن الظاهر فلا فائدة في تكلّف الإضمار.
وضبط ذلك مفصّلًا أن تقول: إن لها ثلاثة مواضع. موضع لا تكون فيه إلا مكسورة، وموضع لا تكون فيه إلاّ مفتوحة. وموضع يجوز فيه فتحها وكسرها. فالموضع الذي تكسر فيه: إذا وقعت مبتدأ نحو: إن زيدًا قائمٌ. وإذا كان في خبرها اللام، نحو: علِمتُ إنَّ زيدًا لقائمٌ، وبعد واو الحال نحو: جاءَ زيدٌ وإنَّ يده على رأسه. وبعد حتى نحو: مَرِضَ حتى إن الطيرَ لَتَرحَمَهُ. وبعد ألا التي للاستفتاح نحو: ألا إن زيدًا لقائمٌ. وبعد القول المجرد من معنى الظن.
واختلف فيها إذا وقعت بعد القسم نحو: واللَّهِ أنَّ زيدًا قائمٌ، فمنهم من لم يجز إلا الفتح. ومنهم من أجاز الفتح والكسر، واختار الفتح. ومنهم من أجازهما واختار الكسر. ومنهم من لم يجز إلا الكسر. وهو الصحيح، لأن جواب القسم إنّما هو جملة وتتعاقب فيه الجملة الفعلية والاسمية، فينبغي أن تكون إن فيه مكسورة كما تكون إذا وقعت صدر الكلام، وعلى ذلك هو السماع، قال الله تعالى: {يس} {وَالْقُرْءانِ الْحَكِيمِ} {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} (يس: 1 ــــ 3) .
والذي فتحها توهم أن كونها جوابًا يخرجها عن الصدرية، وذلك فاسد لما ذكرنا من أن الجواب بمنزلة الجملة المستأنفة ولولا ذلك لما ساغ دخول لام الابتداء في الجواب نحو قولهم: واللَّهِ لزيدٌ قائمٌ.
والموضع الذي تكسر فيه وتفتح بعد إذا التي للمفاجأة نحو قولك: خرجتُ فإذا أن زيدًا قائمٌ. إن شئت كسرتَ فيه إنَّ وإنْ شئتَ فتحتها. فإنْ كسرتها لم تقدر إذا في موضع خبر فيكون الواقع بعدها جملة مستأنفة فتكسر إنَّ لذلك. وإن فتحتها كانت إذا في موضع الخبر وتكون أن ومعمولاها تتقدر بمصدر مبتدأ، فكأنك قلت: خرجتُ فإذا قيامُ زيدٍ، وقد روي قوله:
وكنتُ أُرَى زيدًا كما قيل سيدًا
إذا أنّه عبدُ القَفَا واللهازِمِ
بكسر إنَّ وفتحها.