فإن قيل: فلأي شيءٍ لم يجز أن يجري مجرى الظن غير بني سُليمِ إلاَّ بالشروط الأربعة المتقدمة؟ فالجواب: إنَّ الذي حمل على ذلك أَنَّ هذه الأشياء يقوى فيها معنى الظن لمناسبته لها، ألا ترى أنَّ المستقبل لكونه لم يقع لا يكون في الغالب إلاّ مظنونًا وليس كذلك الماضي. وكذلك الاستفهام يناسب الظن، لأنَّ المستفهم أبدًا إنّما يستفهم عما لا يتحقَّق.
وإذا فصل بين أداة الاستفهام والفعل بغير الظرف ولا المجرور صار الفعل كأنّه لم يتقدَّمه استفهام فيضعف فيه معنى الظن لذلك، وأما الظرف والمجرور فلا يُعتد بهما في كلام العرب، فكأنه لم يقع بين أداة الاستفهام والمستفهم عنه فصل.
واشترط في الفعل المضارع أن يكون للمخاطب لأنَّ المخاطب قد يُستفْهمَ عن ظَنِه ولا يكاد أن يُستفهم الإنسان عن ظنّ غيره، لأنَّه لا يتوصّل إلى حقيقة ذلك، فتقول للمخاطب: أتظن كذا. ولا يقال: أيَظُنُّ زيدٌ كذا؟ فلما كانت هذه الأشياء مقوية للظن لذلك لم تستعمل العرب القول استعمال الظن إلا مع الشروط المتقدمة المذكورة إلا بنو سليم فإنّهم يستعملون القول كلّه استعمال الظن من غير مقوّ، لأن الإنسان قد يكون قوله (عن علمٍ وقد يكون) عن ظنٍ فأجري لذلك مجرى الظن.
فإن قيل: فالقول إذا استعمل استعمال الظنّ فهل هو بمنزلة الظنّ في العمل خاصة أو في العمل والمعنى؟
فالجواب: إنَّ في ذلك خلافة بين النحويين. فمنهم من ذهب إلى أنّه إنما يجري مجرى الظن في العمل خاصة ولم يتغيّر المعنى عما كان عليه. وإلى هذا ذهب ابنُ خروف. ومنهم من ذهب إلى أنّه يجري مجرى الظن عملًا ومعنى وإلى هذا ذهب ابن جني. والصحيح عندي أنّه يجري مجرى الظن في المعنى والعمل. ولولا ذلك لم يشترط العرب فيه ــــ غير بني سليم ــــ الأشياء الأربعة المقوية لمعنى الظن كما تقدم. وأيضًا فإنه إذا استقريت الأماكن التي استعمل فيها القول استعمال الظن وجدت على معنى الظن نحو قوله:
أمّا الرحيلُ فدونَ بعدَ غدٍ