أما التاء فعوض من الواو المبدلة من الباء فلم تتصرّف لذلك بل اقتصروا بها على اسم الله تعالى، وقد حكي دخولها على الرب، قالوا: تَرَبِّ الكَعبَةِ لأفعلَن كذا، وذلك قليلٌ جدًّا. وأما سائرها فإنّها بدل من باء القسم فلم تتصرف لذلك أيضًا. وأما مُنْ فلا تجرّ إلا الربّ، وكذلك الميم المضمومة والمكسورة لا تجرّانِ إلا اسم الله تعالى. والسبب في ذلك أنّهما لم يتمكنا في الجر لكونهما لم يستعملا إلاّ في القسم. وأما رُب وفاؤها وواوها فلا تجرّ إلاَّ النكرة. وسبب ذلك أن المفرد بعدها في معنى جميع ولا يكون المفرد في معنى جميع إلاَّ نكرة. وأما إذا كان معرفة فلا يجوز ذلك فيه إلاَّ في ضرورة شعر نحو قوله:
لا تُنكِروا الفَضل وقد سُبينا
في حلقِكُم عظمٌ وقد شَجِينا
يريد في حلوقكم.
وما عدا ذلك من حروف الجر تجر كل ظاهر.
وحروف الجر أيضًا تنقسم أربعة أقسام: قسم لا يستعمل إلا حرفًا، وقسم يستعمل حرفًا واسمًا. وقسم يستعمل حرفًا وفعلًا. وقسم يستعمل حرفًا واسمًا وفعلًا.
فالذي يستعمل حرفًا واسمًا مُذْ ومُنذ وعَنْ. أما مُذْ ومُنذْ فيكونا اسمين إذا ارتفع ما بعدهما، ويكونان حرفين إذا انجر ما بعدهما، على ما نبين في بابهما إن شاء الله تعالى. وأمّا عن فتكون اسمًا إذا دخل عليها حرف الخفض نحو قولهم: جلسَ مِن عَنْ يَمِينِه. قال الشاعر:
فقلتُ للركب لمّا أن علا بِهِمُ
من عَن يَمين الحُبَبّا نظرة قُبلُ
فدخول مِنْ على عَنْ دليل على أنّها اسم، إذ لا يجوز دخول حرف جرّ على حرف جر إلا إذا كان لفظهما واحدًا ومعناهما فيكون أحدهما إذ ذاك تابعًا للآخر نحو قوله:
فلا واللَّهِ لا يُلفَى لِما بِي
ولا لِلما بِهِم أبدًا دَواءُ
فأدخل اللام الأولى على الثانية توكيدًا لأن لفظهما ومعناهما واحد وقول الآخر:
فأصبحنَ لا يسألنَني عن بِما بِهِ
أصعّدَ في عُلو الهَوى أم تَصَوبا