وأما القياس فلأنَّ الأسماء الظاهرة لا تجيء على حرفٍ واحدٍ إلاَّ شذوذًا لا يلتفت إليه.
واستدلَّ أبو الحسن على أن الكاف اسم في الكلام بقول الأعشى:
أتنتهون ولن ينهى ذَوي شَططٍ
كالطعنِ يذهبُ فيه الزيتُ والفُتُلُ
فاستعمل الكاف فاعلة يَنهَى، فكذلك قول امرئ القيس:
وإنّك لم يَفخَرْ عليك كَفاخرٍ
ضعيفٍ ولم يغلبْكَ مثلُ مُغَلَّبِ
فاستعمل الكاف فاعلة بيفخر، وكذلك قوله:
ورحنا بكابنِ الماء يجنُبُ وسطنا
فاستعمل الكاف مجرورة بالياء. وكذلك قول الشاعر:
وزِعتُ بكالهِراوةِ أعوَجيَ
إذا ونتِ الرياحُ جَرَى وِثابا
فاستعمل الكاف مجرورة بالباء. وكذلك قول الآخر:
وصُيّروا مِثلَ كَعَصْفٍ مأكولْ
فأضاف مِثْل إلى الكاف ولا تضاف إلا إلى الأسماء.
وهذا كله عندنا لا حجة فيه لأنّه شِعْرٌ، والكاف عندنا قد تكون اسمًا في الشعر على أن الكاف قد يمكن أن تكون في جميع ما ذكر حرف ويحمل جميع ذلك على حذف الموصوف لفهم المعنى وإقامة الصفة مقامه وإن لم تكن مختصّة فكأنه قال: ناهٍ كالطَعنِ، وفاخرٌ كفاخرٍ ضعيف، وبفرسٍ كابنِ الماء، وبفرسٍ كالهِراوةِ، ومثل شيءٍ كَعَصفٍ إلاّ أن ذلك أيضًا ضرورة. فلذلك تكافأ الأمران.
على أن حذف المخفوض وإقامة الصفة مقامه وهي غير مختصة قبيح جدًا نحو:
واللَّهِ ما زيدٌ بنامَ صاحبُهْ
ولا يُخالِطُ اللّيانَ جانِبُهْ
وهو في المرفوع أحسن لأنه عمدة فتقوى الدلالة عليه حتى كأنه لم تحذف نحو قوله:
كأنكَ من جمالِ بني أقَيْشٍ
يُقَعقَعُ خلفَ رِجلَيْهِ بِشَنِّ
يريد كأنّك جملٌ من جمالِ بني أُقيشٍ فحذف جمَلًا وأقام صفته مقامه.
والذي يستعمل حرفًا وفعلًا «خلا» في الاستثناء فتكون حرفًا إذا انخفض ما بعدها وتكون فعلًا إذا انتصب ما بعدها.