وأما قول أبي القاسم: وخالفه في ذلك جميع النحويين من البصريين والكوفيين، فباطل بل لا يحفظ لأحد من النحويين خلافٌ لسيبويه في ذلك إلا للمبرد فإنّه خالفه فيما ادعى سيبويه رحمه الله من مجيء ذلك في الشعر وتأول والبيت على خلاف ما حمله عليه سيبويه رحمه الله، وأنا أذكره بعدُ إن شاء الله تعالى.
وقوله: لأنّه قد أضاف الشيء إلى نفسه، فاسد، لأنَّ إضافة الشيء إلى نفسه في هذا الباب لا تتصور إلا أن تكون الإضافة من رفع، وما ذكره سيبويه فالإضافة فيه من نصب. فتبيّن أنّه ليس من إضافة الشيء إلى نفسه، والدليل على ما ذكره سيبويه من أن الإضافة فيه من نصب، قوله: وقد جاءَ في الشعر: حَسَنَةُ وجهَها، فباطل أن تكون الإضافة هنا من رفع لأنّه لو كان كذلك لوجب أن تكون حَسَنُ وجهُها لأنَّ الصفة إذا رفعت الظاهر كانت على حسبه من تذكير وتأنيث وإذا رفعت المضمر كانت على حسبه فدلَّ ذلك على أنَّ في «حسن» من قولك مررتُ بامرأة حسنٍ وجهُها ضميرًا يعود على امرأة، ويكون وجهُها إذ ذاك في موضع نصب. واستدلَّ سيبويه رحمه الله على مجيء ذلك في الشعر بقوله:
أمِنْ دِمْنَتَيْنِ عَرَّجَ الركبُ فيهما
بحَقلِ الرُخامِي قد عفا طللاهما
أقامت على رَبْعَيهِما جارتا صَفَا
كميتا الأعالي جونتا مُصطلاهما
فكميت صفة للجارتين وكذلك جونتا صفة للجارتين وفيهما ضمير يعود على الجارتين وهو مضاف إلى المُصطَلَى المضافِ إلى ضمير الجارتين، ولو كان المصطلى في موضع رفع لكان جون مفردًا مذكّرًا، لأنَّ الصفة إذا رفعت الظاهر كانت على حسبه من تذكير وتأنيث، وتكون مفردة على كل حال. لقد تَبيّن أنَّ الإضافة في ذلك من نصب.