وهذا خطأ محض لأَنَّه يلزمه على هذا أَن لا يعمل المصدر المضاف، فإن قيل: الإِضافة قد تكون منفصلة، فالجواب أَن يقال له: لا يخلو أَن تقدّر الإِضافة في هذا الباب محضة أو غير محضة، وباطل أَن تكون غير محضة لأنَّ الإِضافة في هذا الباب يتعرَّف بها المضاف، فثبت أَنَّها محضة.
وأما قوله إنَّه لم يوجد فباطل، لأنَّ السماع ورد به في قوله:
ضعيفُ النكايةِ أَعداءهُ
يَخالُ الفِرارَ يُراخِي الأَجَلْ
وهذا الذي ذكر من إعمال المصدر في هذا الباب إنّما يجوز في المصدر الجاري وأَما الاسم الذي في معنى المصدر فلا يعمل إلا حيث سُمِعَ وذلك في مثل قول الشاعر:
أَكفرًا بعد ردِّ الموتَ عَني
وبَعدَ عَطائكَ المئةَ الرِتاعا
لأَنَّ العطاء في معنى الإِعطاء. وكذلك قوله:
أَظلومُ إنَّ مُصابَكُم رجلًا
أَهدى السلامَ تحيةً ظُلمُ
يريد: إِنَّ إصابَتَكُم. وأَهل الكوفة يجيزون ذلك ويجعلونه مقيسًا. وهذا خطأ لأنّه لم يكثر كثرة توجب القياس.
وأَجاز أَهل الكوفة إعمال ضمير المصدر في مثل: ضَربي زيدًا حسنٌ وهو عمرًا قبيحٌ. واستدلوا على ذلك بقوله:
وما الحربُ إلاَّ ما عَلِمْتُمْ وذقتُمُ
وما هو عنها بالحديثِ المُرجَّمِ
يريد: وما الحديثُ عنها بالحديث المرجّم. فعنها يتعلَّق بهو الذي يراد به الحديث عندهم. وهذا لا حجة فيه، لأنَّه يمكن أَن يكون متعلقًا بالمُرجّم وجاز تقديمه عليه وإنْ كان في معنى الموصول ضرورة ويجوز أن يكون متعلّقًا بإضمار فعل كأنَّهُ قال: أَعني عنها، أَو يكون التقدير: وما هو عنها مرجَّمًا بالحديث المرجَّم وحذفَ مرجَّمًا الأول لدلالة الثاني عليه.
واعلم أَنَّ هذا الباب خالف باب اسم الفاعل في أَشياء منها أنّه لا يجوز أن يتقدَّم معموله عليه وسبب ذلك أَنَّه مقدَّر بأنْ والفعل، وأنْ من الموصولات ولا يتقدَّم على الموصول من صلته شيء.
وخالفه أَيضًا في أنّه يعمل بمعنى الحال والاستقبال وبمعنى المضيّ وفي أنّ الإِضافة فيه محضة بخلاف اسم الفاعل.
وإذا أتبعتَ المخفوضَ في هذا الباب فلا يخلو من أَن تتبعه على اللفظ أَو على الموضع. فإن أتبعتَهُ على اللفظ فالخفض ليس إلا، نحو: يُعجِبُني ضربُ زيدٍ عمرًا ومحمدٍ. وإن أتبعته على الموضع فإن كان الموضع موضع رفع أتبعته بالرفع وإن كان موضع نصب أتبعته بالنصب.