ومنهم من يعتدُّ بالناقص الأول، فإِذا رأى شخصًا ظُهْرَ يوم الجمعة ثم انقطعت الرؤية إلى ظهر يوم الاثنين قال: ما رأيتُه منذُ ثلاثة أيام، ولم يعتد بالناقص الثاني. ومنهم من يعتد بالناقص الثاني ولا يعتد بالأول فيكون اللفظ واحدًا، ومنهم من يعتد بالناقصين الأول والثاني فيقول في هذه المسألة: ما رأيتُهُ منذُ أربعةِ أيام. والأقيس الأول، لأنَّ تسمية الناقص يومًا مجاز. ومن يعتد بالناقص لا يفعل ذلك إلاَّ إذا كان ثَمَّ يوم كامل. فإِن لم يكن ثَمَّ يوم كامل لم يجزْ، لأنَّ الكلام كله مجاز.
فلو رأيت شخصًا ظُهْرَ يوم الجمعة ثم انقطعت الرؤية إلى ظهر يوم السبت لم يجز في هذا أن يقال: ما رأيتهُ منذُ يومان، ولا مُذ يومٌ، لأنَّه ليس معك يوم كامل، فإِنَّما يكون المجاز إذا اختلط بالحقيقة.
وإِذا تَبيَّنَ أنَّ الغالب عليها الاسمية وأنَّ منذ الغالب عليها الحرفية فينبغي أن تُبيّن نسبة اللغات.
فجميع العرب تتكلم بمذ المحذوفة من منذ ولا يتكلم بمنذ إلاَّ أَهلُ الحجاز خاصة. فأهل الحجاز يتكلمون بمذ ومنذُ وغيرهم لا يعرفون منذ.
فمذ في جميع لغات العرب تجرّ الحال، وبنو تميم يرفعون بها الماضي ولا يجيزون فيها الجر، وأهل الحجاز يجرون بها الماضي وبعضهم يرفع بها الماضي. ومنذ لا يتكلم بها إلاّ الحجازيون خاصة فهي عندهم تجر الحال والماضي عندهم مجرور، وبعضهم يرفعه، فحصل بهذا أنَّ مذ الغالب عليها الاسمية، لأنَّ بني تميم لا يجيزون في الماضي معها إِلاّ الرفع وبعض الحجازيين يرفع بها. فالغالب فيها الاسمية.
ومنذ لا يتكلّم بها إلاّ الحجازيون، وهي جارة للحال أبدًا، وتجرّ الماضي عند أكثرهم، والأقل هو الذي يرفع بها الماضي، فقد ثبت ما قلنا.