ومع أنَّ الضمير للمخاطب فلا يجوز نداء المخاطب إلاّ في ضرورة شعر، لأنَّ المنادى إنّما تناديه إذا كان معرضًا عنك، وإذا أتيت بالمضمر لم يعلم هل المقصود هو أو غيره فيكون سببًا للبس، وإذا أتيت بظاهر عُلم أنَّه المراد دون غيره. ولم يبن المُطوَّل ولا المضاف لأنّهما قد نقص شبههما عن المضمر لأنَّ المضمر مفرد والمضاف والمطوَّل ليسا كذلك، ولم تُبنَ النكرة لأنّها قد نقص شبهها عن المضمر من جهة أنَّها نكرة والمضمر أنّما هو معرفة، فلما كان أشبه المناديات بضمير المخاطب العلم والنكرة المقبل عليها بُنِيَا، وكان بناؤهما على حركة لأنَّ لهما أصلًا في التمكن.
وكانت الحركة ضمة لشبهها بقبل وبعد، ووجه الشبه بينهما أنَّ قبل وبعد يبنيان في حال الإِفراد ويعربان في حال الإِضافة، وكذلك المنادى يبنى في حال الإِفراد ويعرب في حال الإِضافة، فلذلك بني على ما بني عليه قبل وبعد، وهو الضم.
ومنهم من قال: إنّه لما اختلط بالصوت وصار معه كالشيء الواحد وصار مع النداء لتحريك المنادى فأشبه جَوْتَ وعَدَس وما أشبههما من الأصوات التي يقصد بها تحريك شيء معين من البهائم، والأصوات مبنية فبنيت هي لأنها صارت كأنّها بعض الصوت.
ولم تُبنَ النكرة غير المقبل عليها لأنَّها لم تختلط بالصوت، لأنَّك لم تقبل عليها بالنداء، ولم يُبنَ المضاف لأنه قد تمكن في الإِضافة، ولا المطوَّل لشبهه بالمضاف، وأيضًا فإنَّه يضعف جعلهما مع حرف النداء كالشيء الواحد. وكلاهما وجه حسن جدًا.
ويجوز حذف حرف النداء من المنادى المفرد العلم لدلالة الإِقبال عليه نحو قوله تعالى: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} (يوسف: 29) .
ولا يجوز حذفه من النكرة غير المقبل عليها، لأنه ليس في الكلام إقبال يقوم مقامه. ولا مما يصلح من المناديات أن يكون صفة لأيّ، وذلك مثل النكرة المقبل عليها، وأسماء الإِشارة، فلا تقول في يا رجلُ: رجلُ، إلاّ في ضرورة شعر كقوله: